حلب عصب الاقتصاد السوري… وهزيمة تركيا الكبرى


فادي نصار

 

 

أدت الحرب في سوريا خلال سنواتها الخمس إلى تغيّر طبيعة وأسلوب الاستهلاك، كما أدت إلى اختفاء واندثار الكثير من المهن والحرف، لتحل محلها مهن جديدة وُلدت من رحم الحرب، كما أن العلاقات الاجتماعية بين الناس اصبحت اكثر حضورا، وذلك في مؤشر حقيقي إلى ان الحياة يجب ان تستمر وان العلاقات الاقتصادية هي رافعة العلاقات الاجتماعية (حسب ماركس)، فقد تغير الحلبيون واصبحوا بدافع الحاجة يتاجرون بكل شيء، فبالاضافة إلى تجارة النفط ومشتقاته، وإلى تجارة الماء إلى المولدات الكهربائية، كانت مهنة سائق حافلة ينقل المواطنين بين حلب الشرقية وحلب الغربية تمثل بعضا من سخرية تختصر ظروفا صعبة وقاسية، وصولاً إلى ما هو أكثر إيلاماً وقهراً، أي مهنة الاتجار بالشرف والاعضاء البشرية وتجارة السلاح. وهناك كان الفقراء يبيعون آخر ما يملكون من مصاغ ومجوهرات أو لوحات فنية اشتروها ايام العز، فمن بنى حلب ومن خربها؟ من أغناها بالعلم والثقافة؟ ومن ارادها محجة لكل تخلف العالم من المغرب إلى مصر فالسعودية وقطر وصولاً إلى الشيشان؟

تتوسط حلب مناطق الإنتاج الزراعي في الجزيرة ومرافئ التصدير البحري والمنافذ الحدودية البرية إلى دول أوروبا الشرقية والغربية، بالإضافة إلى مكانتها في الصناعات النسيجية والصناعات التقليدية: الألبسة، الصابون، الحرير الطبيعي، الذهب، المواد الغذائية وغيرها. ولا يختلف اثنان

على الأهمية الكبرى لحلب كمدينة تجارية فقد أنشئت فيها “غرفة تجارة حلب” منذ عام 1885 وهي أقدم غرفة للتجارة في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي برمته.

هذا فضلا عن القطاع السياحي الناشط جداً في المدينة والذي يشكِّلُ موردا اقتصاديا هاما، واحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، فهناك ما يسمى بالخانات في مدينة حلب القديمة، التي أصبحت في العام 1986 من مواقع التراث العالمي على قائمة اليونسكو. وقد نالت المدينة لقب عاصمة الثقافة الإسلامية عن الوطن العربي في عام 2006، وكانت تضم 107 فنادق عام 2010.

وقد حولتها الحرب من عجلة الاقتصاد السوري، والدجاجة التي تبيض ذهباً (كانت حلب تحتل المرتبة الاولى بين المحافظات السورية من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لسورية حيث تقدر مساهمتها بحدود 24 بالمئة)، إلى صحراء تفتقر إلى كل مقومات الحياة، بعد ان دخلتها الفصائل المسلحة المدعومة من دول الخليج، وقبلها الفصائل المدعومة من لص اسطنبول، الذي ومع بداية الأزمة والحرب على سوريا ارسل بالتعاون مع رجال اعمال أتراك خبراء إلى حلب ليقوموا بتفكيك اكثر 1300 مصنعا بين صغير وكبير ونقلها من حلب إلى غازي عنتاب (يؤكد فارس الشهابي، رئيس اتحاد غرف الصناعة، أن ما قيمته 150 مليون دولار تمرر يوميا إلى تركيا، من البضائع المنهوبة، من قمح وقطن ونفط، ومنتجات صناعية وآثار)، واحرقو مئات آلاف الهكتارات الزراعية (في عام 2011 كان القطاع الزراعي في حلب يشكل ما نسبته 14 بالمئة تقريباً بالنسبة للناتج الزراعي الكلي في سوريا، ويعمل فيه حوالي 15 بالمئة من الايدي العاملة في المحافظة)، وباعوا المحاصيل بأثمان رخيصة بعد ان نهبوها من المزارعين في السهل الحلبي الواسع (باعت “جبهة النصرة” التي تدعمها المخابرات التركية، القمح والاقطان إلى تركيا) ودمروا جميع المؤسسات الحكومية، مشافٍ، مدارس، حقول النفط وغيرها، فحولوها إلى “مدينة منكوبة” تنهش فيها الفصائل الارهابية كل ما يرمز للحياة.

كل ذلك، دفع تجار حلب إلى النزوح زرافات إلى مدينة غازي عنتاب التي تقع خلف الحدود مع تركيا، والتي يقول عنها الحلبيون انها اصلاً حلبية، وبدأوا حياة جديدة من الصفر. فأطلقوا العديد من المشاريع الاستثمارية، شملت تصنيع الزيوت والصابون والنسيج، وغيرها من الصناعات، وافتتحوا المتاجر مثل محال الحلويات وتصليح الهواتف النقالة ومطاعم الوجبات الحلبية، والمكاتب العقارية ومكاتب تهريب البشر من سوريا إلى اوروبا، اضافة إلى آلاف الايدي العاملة بمهن مختلفة وبأجور رخيصة.

هاجر هؤلاء إلى تركيا لأن لهم فيها موطىء قدم تجاري، فالحركة التجارية بين البلدين انتعشت بشكل كبير منذ بداية الالفية، كذلك ارتفعت ارقام التبادل التجاري بين سوريا وتركيا إلى اعلى مستوياتها على الاطلاق في تاريخ التبادل التجاري بين البلدين، فوصلت إلى 1.8 مليار دولار، مع توقعات كانت شبه مؤكدة بأن تتجاوز حاجز 2 مليار ليرة سورية، وذلك بزيادة بلغت 600 بالمئة عما كانت عليه في عام 2000، حيث لم يكن يتعدى حينها حجم التبادل التجاري بين البلدين الــــ300 مليون دولار، إلى أن وصل وصل حجم هذا التبادل ملياري دولار في عام 2010، وكان هناك طموح لرفعه إلى نحو سبعة مليارات خلال السنوات الخمس التالية، لولا أن لص اسطنبول قد اطلق اذرعه الارهابية من “جبهة نصرة واحرار الشام” وغيرها، التي انتهى بها المطاف إلى الاقتتال الدامي على الغنائم.

 

المستثمر التركي وحلب

على عكس العلاقات المتدهورة الآن بين البلدين، ارتفع عدد المشاريع الاستثمارية التركية في سوريا منذ بداية عام 2000 وحتى منتصف عام 2008 ، بنحو 100 بالمئة (تقول بيانات غرفة تجارة حلب للعام 2010، أنه في المدينة الصناعية بحلب، شكل المستثمرون الأتراك وحدهم نحو 40 بالمئة من المستثمرين العرب والأجانب)، وقصة الحب هذه بين المستثمر التركي وحلب تعود الى  ما يلي:

-المواد الأولية اللازمة للتصنيع، مثل القطن والحبوب بجميع أنواعها.

-وفرة اليد العاملة الماهرة والرخيصة مقارنة بالدول المجاورة والتي يمكن أن تكون عاملاً مهماً من عوامل تخفيض التكلفة الإنتاجية.

-كثافة سكانية عالية مما يخلق اسواقا كبيرة.

-إن حلب بمكانتها التاريخية نظراً إلى وجود الآثار الإسلامية والمسيحية تعد بيئة مثالية للاستثمار في مجالات عديدة (سياحة دينية – سياحة التسوق – السياحة الأثرية).

-يوجد في حلب واطرافها شبكة مواصلات طرقية وأخرى حديدية تربطها بباقي المحافظات، بالإضافة إلى الخط الحديدي مع تركيا وإيران وأوروبا والعراق، ووجود مطار دولي.

-يوجد في حلب عدد كبير من البنوك الوطنية والاجنبية وشركات الصرافة وتحويل العملات.

كل تلك العوامل فتحت شهية اردوغان على  حلب التي كان  يعلم أنها  الممر الأمثل للبضائع التركية إلى الأسواق اللبنانية والأردنية والمصرية، فضلاً عن  بلدان الخليج العربي والسوق السورية.، وكونه الاقرب، فقد اطلق فيها ذئابه ومولها، في حين وفي مواجهة كل هذه الوقاحة الاستعمارية، تحدى الحلبيون الفقراء الجوع والعطش وانقطاع الكهرباء وتجار الازمة وأوجاع الحرب، وبقيوا صامدين، كما يتحين الكثير من التجار العودة الى العرقوب والشيخ نجار ليواصلوا صناعة الحياة في عصب الاقتصاد السوري… حلب.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!