الحمضيات السورية رهينة السماسرة والتجار


فادي نصار

 

 

يمتد الساحل السوري على طول 173 كم بين جبال لبنان الغربية شرقاً وبين البحر الأبيض المتوسط غرباً،ويعتمد سكان المناطق الساحلية على زراعة الخضار والفاكهة فضلاً عن الصيد. أصبحت زراعة الحمضيات في سوريا من الزراعات الاقتصادية الهامة فهي تغطي مساحة حوالي 25327 هكتار من أفضل الأراضي المروية في الساحل السوري بشكل عام موزّ‘ة على محافظة اللاذقية بـ 18467.8 هكتاراً وطرطوس بـــ5736.6 هكتاراً.

ويعاني الفلاحون في هذه المناطق من مشكلة تسويق وتصريف شبه مزمنة ، وصعبة الحل، فهددوا بقطع أشجار الحمضيات، احتجاجاً على الخسائر التي تكبدونها. ولامتصاص هذا الغضب، أعلنت وزارة التجارة الداخلية، عن البدء بحملة تسويق حمضيات الساحل السوري، تحت عنوان «من الحقل إلى المستهلك»، مشيرة إلى أنها ستدفع ثمن محصول «الحمضيات» نقداً، ودون أي إجراءات معقدة.

أسباب الازمة ..

يبلغ إنتاج سورية من الحمضيات حوالي مليوني طن، حصة محافظة اللاذقية منها 800 ألف طن، وتتركز زراعتها على الساحل بنسبة 98% بطول /120/كم وعمق يتراوح بين /10-15/كم . وتحتلّ من حيث الإنتاج، المركز الثالث عربياً والسابع متوسطياً والثامن عشر عالمياً.

يشكّل هذا القطاع الزراعي رافداً مهماً من روافد الاقتصاد الوطني السوري، وخاصة في سنوات الحرب الاخيرة حيث بلغت نسبة مساهمة القطاع الزراعي بسعر السوق نحو547 مليار ليرة سورية، أي نحو 20%من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ إنتاج الحمضيات وحدها مايقرب من 34 مليار ليرة سورية، أي ما نسبته 7.25% من قيمة الإنتاج الزراعي النباتي.

السمسار وتاجر الجملة ضد المزارع

يُفتتح موسم تصدير الحمضيات من سوريا الى دول العالم في شهر تشرين الثاني من كل عام، وتعاني وزارة الاقتصاد نتيجة لظروف الحرب الحالية من مشكلة رئيسية في طرق تصدير المنتجات السورية، ذلك لأن 90% من المعابر التقليدية قد أغلقت،أو سيطر عليها الارهابيون، ما أثّر بشكل سلبي على المنتجات الزراعية التي كانت تصدر بأغلبيتها عبر المعابر البرية مع العراق والأردن، ومنها الحمضيات.

هناك أربعة عشر سوقا مركزياً للخضار والفواكه في سورية موزعة على كافة المحافظات، ويوجد في كل محافظة عدد من الأسواق الفرعية الصغيرة.حيث يقوم المزارع بنقل منتجاته إلى السوق، ويبقى المحصول ملكاً لصاحبه الى حين يتم بيعه، وهنا تكمن المشكلة، فتتراكم المحاصيل،ويتحكم عندها السماسرة بالاسعار ، الامر الذي يؤدي الى أن يباع كيلو البرتقال بأسعار بخسة فيما تصل الى المستهلك بأسعار نارية، ويقوم تاجر الجملة أحيانا بشراء المنتَج من أرض المزرعة ونقله إلى السوق، بينما يقوم عدد صغير ببيع منتجاتهم لتجار محليين.

منافذ التسويق

مصادر غرف الزراعة السورية تقول ان 90 بالمئة من المعابر التقليدية للبلاد قد اغلقت بسبب سيطرة الفصائل المسلحة عليها، وان الكميات الكبيرة التي كانت ترسل الى الاردن والعراق براً من الصعب ارسالها عبر البحر(هناك أصناف من الفواكه وخاصة الحمضيات لا تتحمل التخزين الطويل، إضافة إلى التكلفة المرتفعة لشحنها بهذه الطريقة) .

يضيف المسؤولون ان الحمضيات السورية، عضوية، حصلت على شهادات أوروبية بجودة النوعية، الامر الذي يسمح بدخول هذه الفاكهة الى اسواق عالمية كألمانيا وبريطانيا، حيث بدأت سوريا العام الماضي(2015) بتصدير كميات قليلة الى هذين السوقين كتجربة أولى.

اضافة الى ذلك، يجري التحضير لافتتاح خط تصدير إلى دولة صربيا خلال الفترة الآتية، وذلك بالتعاون مع أكبر شركة لتصنيع زيت دوار الشمس في العالم من خلال توقيع اتفاق معها على تبادل زيت دوار الشمس مقابل الحمضيات السورية.

التبادل التجاري مع روسيا

على الرغم من أن هيئة تنمية الصادرات توصياتها لتطوير التبادل التجاري بين سورية وروسيا كشفت دراستها أن الصادرات السورية إلى السوق الروسية ارتفعت خلال فترة الحرب «2011-2015» حيث وصلت إلى 1,75% من إجمالي صادراتنا، بينما كانت منخفضة نوعاً ما في عام 2010 لتبلغ فقط 0,49% من إجمالي الصادرات السورية،الا ان فجوة كبيرة ظهرت في العام 2014 وخللاً واضحاً في الميزان التجاري، السوري -الروسي حيث بلغ حجم الصادرات من روسيا إلى سورية أكثر 600 مليون دولار، بينما لم يتجاوز حجم الصادرات السورية إلى روسية مبلغ عشرون مليون دولار.

وكان التعاون في القطاع الخاص بين روسيا وسوريا قد تأذى من العقوبات المفروضة على روسيا في(اتهمت روسيا بدعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا ونشر جنود لها في داخل البلاد، وتلا ذلك فرض عقوبات اقتصادية – من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) ذلك لان تلك العقوبات قد تتسببت في إضعاف مصادر التمويل للعلاقات الاقتصادية الخارجية في البلدين، حيث إن العقوبات منعت المصارف الروسية من تمويل التبادل التجاري وإقامة المشاريع.

في المقابل، أدت العقوبات في سوريا الى غياب الدعم والتمويل للتبادل التجاري الخارجي، ومن ضمنها القطاع الزراعي، وعملية تصدير الحمضيات،حيث تحتل سوريا المرتبة التاسعة في السوق الروسية في تصدير الحمضيات.

فمن غير أن ينتظر التعاون الزراعي بين روسيا وسوريا تأزم العلاقات الروسية مع تركيا، إثر حادثة اسقاط الطائرة الشهيرة(أطلقت قوات الدفاع الجوية التركية في 24 نوفمبر 2015 النار على مقاتلة روسية من طراز سوخوي سو-24) فمع نهاية العام 2014 تم توقيع بروتوكولاً تجارياً بين وزارة الاقتصاد السورية ووزارة التنمية الاقتصادية الروسية، واخر بين إدارة الجمارك السورية وإدارة الجمارك الروسية كان الهدف منها تسهيل عملية انتقال البضائع بين البلدين (سورية وروسيا) و وإحداث تحسن نوعي في الاقتصاد السوري الوطني. كذلك السماح بإنشاء حسابات مشتركة بالروبل والليرة السورية وإلغاء التعامل بالدولار بين البلدين سورية وروسيا.

الاتراك المخادعون

كان للتجار الاتراك الذين يصدّرون الحمضيات التركية التي تنمو على شواطىء المتوسط، ميزتين مهمتين الا وهما: قرب المسافة وقصر وقت الشحن، بينما لم يكن للتجار السوريين ذات الميزات، إضافة الى ان التجار الأتراك كانوا يقومون بخدعة تجارية تمارسها معظم الدول التي لا تخضع لقوانين التجارة العالمية، حيث كانوا يقومون بشراء الخضر والفواكه من التجار السوريين ومن ضمنها الحمضيات ويقومون بإعادة توضيبها وتغليفها وتصديرها إلى روسيا على أنها بضائع تركية

المنشأ، مستغلّين التقصير الحكومي في ذلك الوقت. ولكن هذا الاحتيال قد انتهى كما تقول مصادر في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية.

وعندما فرضت روسيا عقوبات اقتصادية كبيرة على تركيا اثرحادثة إسقاط أنقرة للطائرة الروسية في سوريا، طالت تلك القيود عددا من أنواع المنتجات الزراعية والمواد الغذائية التي تستوردها من تركيا، ومنها الحمضيات، وبذلك فتح المجال واسعاً امام محصول الحمضيات السورية،. فتم تصدير ما يقارب 800 الف طن من الحمضيات في عام 2014 الى روسيا، علماً أن شهادة المنشأ المعتمدة بين سوريا وروسيا تمنح المنتج السوري اعفاء جمركيا بنسبة 25 % من الجمارك الروسية المرتفعة.

وقتها صرح إيغور ياكوفينكو المدير العام لشركة “ديلو بورتس” الروسية للشحن والتفريغ لوسائل الاعلام الروسية قائلاً “إن انسحاب تركيا من السوق الروسية يعطي للحمضيات السورية فرصة تنافسية، على الرغم من أنها مختلفة في الطعم والصنف عن التركية، ولم يعتد عليها المستهلك المحلي بعد”.

مضيفاً أن “ما يعزز نجاح هذا المنتج السوري بدخول السوق الروسية هو أسعاره المنافسة، فضلا عن قلة استخدام المزارعين السوريين للمواد الكيمياوية والأسمدة”.

وفي سياق متصل، توقع بعض الخبراء أن تحجز الحمضيات السورية لها حصة في السوق الروسية قد تصل إلى 10% حتى نهاية العام الحالي (2016) .

جهود سورية حثيثة

وبدأت الحكومة السورية تستثمر الأمر، حيث خرجت وزارة الزراعة من مفهوم تصدير الفائض لتنتقل إلى مفهوم جديد بتصدير وتسويق المنتج حسب المواصفات المطلوبة عالمياً واعتماد التصدير وفق الطلب.

فتم تأسيس القرية السورية ــ الروسية، في حزيران الماضي، في اللاذقية وطرطوس، كعمل تمهيدي لتنظيم التعاون بين الأسواق السورية والروسية، في ظل توافر منتجات زراعية عالية الجودة، وخالية من المواد الكيميائية. إذ آن الأوان لسد حاجات الأسواق الروسية، بعد وقف استيراد الحمضيات التركية، والاستعاضة عنها بالسورية. عندها صرح المدير الروسي لقرية الصادرات أصلان بانيتش أنه سيتم استخدام اليد العاملة السورية في جميع المشاريع، مؤكداً أن جميع البضائع التي ترد من روسيا ستكون بمواصفات عالية الجودة وبسعر مناسب ومنافس وكذلك قامت بافتتاح خط الكوردور

الأخضر البحري(يربط المرافئ السورية بنظيراتها في الدول الشرقية الصديقة، ما يتيح تصدير السلع الزراعية السورية بسهولة ويسر، ولاسيما تلك التي يوجد فائض منها يحتاج إلى تصريف سريع كالحمضيات)، الذي اختصر الوقت بعمليات الشحن. وتم وضع حجر الأساس لمعمل الحمضيات الذي ورغم طاقته المتواضعة إلا أنه سيسهم بحل 25% من مشكلات الحمضيات.

ورغم كل تلك الجهود المبذولة لانجاح العملية،وهي جهود للقطاع الخاص ولقرية الصادرات، في حين الجانب الحكومي السوري مازال ضعيفاً ،فإن تجربة تصدير الحمضيات من سوريا إلى روسيا، لم تعط

النتائج المرجوة منها، حيث واجهت عملية التصدير صعوبات عديدة،نذكرمنها صعوبات في منح إجازات الاستيراد مقابل التصدير،وعدم حصول قرية الصادرات على التسهيلات اللازمة والضرورية من الحكومة السابقة، وخاصة ما يتعلق بالتحويلات المالية ونقل السيولة من سوريا إلى روسيا وبالعكس وطرق دفع ثمن البضائع. فضلاً عن عدم تحضيرالحمضيات بشكل دقيق لتصبح معدة للتصدير، من قطاف وفرز وتغليف وتشميع وتحميل وتنزيل،أضف اليها معاناة المزارعين مع سوء النقل وارتفاع أجوره، وخروج الكثير من الأسواق من الخدمة بسبب الوضع الأمني ، فازداد بذلك الفائض من الانتاج حيث بلغ حوالي 50 %.

في اطار التساؤلات العديدة يتساءل المزارعين في الساحل السوري، اين هي ورقة الحل الصحيح والنهائي لمشكلة تصريف محاصيلنا؟،في ملعب من هي كرتنا؟ ، هل هي في ملعب وزارة الزراعة، ام وزارة الاقتصادوالتجارة الخارجية، أم بيد غرف الزراعة وغرف التجارة؟ وهل ستحط مراكبنا في اسواق جديدة بعدما فشلت تجربة التصدير الى الاسواق الروسية ؟؟في ظل كل هذه الاسئلة يبقى المزارع هذا العام رهين مزاجية وشره وجشع السماسرة وتجار سوق الهال .

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!