هل حانت ساعة “المضاربة” السودانية؟


يتباهى عموم السودانيين بأنهم سبقوا الربيع العربي بإطاحة حاكميين عسكريين أولهما قبل 5 عقود، واليوم يتباهون أيضا بابتداع وسيلة “العصيان المدني” التي لفتت أنظار المنطقة لبلدهم حتى أن نشطاء في جارتهم الشمالية مصر أطلقوا دعوة مشابهة.

لكن السؤال الملح اليوم هو مدى فاعلية هذه الوسيلة التي سخرت منها الحكومة عندما لجأ إليها معارضون نهايات الشهر الماضي وأغراهم “نجاحها” للدعوة إلى عصيان آخر في 19 من الشهر الحالي.

وكانت الدعوة إلى العصيان ردا على خطة تقشف شملت رفع الدعم عن الوقود ما ترتب عليه زيادة في الأسعار بنسبة 30 %، بجانب رفع الدعم كليا عن الأدوية وجزئيا عن الكهرباء.

صدرت الدعوة ابتداء من نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تحظى لاحقا بتأييد أحزاب المعارضة والحركات المسلحة.

وبرر الداعون إلى العصيان خطوتهم عوضا عن التظاهر بـ”تجنب العنف” الذي صاحب احتجاجات شعبية حاشدة في سبتمبر/ أيلول 2013 عندما طبقت الحكومة خطة تقشف مماثلة.

في تلك الاحتجاجات التي كانت الأقوى منذ وصول الرئيس عمر البشير السلطة في 1989 سقط 86 قتيلا وفقا لإحصائيات الحكومة وأكثر من 200 وفقا لأرقام المعارضة.

وبدايات الشهر الماضي عندما أعلنت الحكومة إجراءاتها الاقتصادية خرجت تظاهرات محدودة سرعان ما فرقتها الأجهزة الأمنية، واستدل بها مسؤولون لتأكيد “تفهم” الشعب لهذه القرارات.

لكن المشهد تغير كليا عندما طرحت الدعوة إلى العصيان على مواقع التواصل الاجتماعي حيث بات واضحا من الأيام الأولى استقطابها لقطاع عريض لا سيما الشباب.

ومع ذلك كانت الدعوة تفتقر إلى التنظيم الدقيق لجهة أن من أطلقوها لم يكن بينهم رابط تنظيمي بينما لم تنخرط أحزاب المعارضة بشكل فعال لتعبئة جماهيرها.

ويتجلى عدم التنظيم في وجود أكثر من صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تبنت الحدث وحتى “اللجنة التمهيدية للعصيان” لم تكشف عن قادتها ولم تكن معلومة حتى لمناصريها.

بهذه الحيثيات كان من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور صبيحة الـ27 من نوفمبر/ تشرين الأول، أول أيام العصيان المحدد له ثلاث أيام.

لكن بعد سويعات من دخول العصيان حيز التنفيذ كان واضحا أنه حظي باستجابة رغم الاختلاف في تقييمها حيث قدرها البعض بنسبة 30 – 40 % وآخرون بأكثر من ذلك.

بالمقابل جزمت الحكومة أن الاستجابة كانت صفرية وقال الرئيس البشير في تعليقه الوحيد على العصيان بأنه “فشل بنسبة مليون في المائة”.

بالطبع يصعب الجزم بنسبة مشاركة دقيقة لإنعدام مؤسسات لقياس الرأي العام على أسس علمية لكن المحلل السياسي أنور سليمان ينظر إلى “نجاح” الدعوة من زاوية مختلفة.

يرى سليمان في إفادته للأناضول أن من مظاهر نجاح العصيان “مشاركة كل السودانيين في المناقشة حول جدواه بما في ذلك الرئيس البشير”.

بالنسبة إلى غازي صلاح الدين، رئيس حركة “الإصلاح الآن”، فإن القادة الحكوميين كانوا يوم العصيان ” كعامة القوم ينتظرون النتائج ولا يصنعونها”.

وكان صلاح الدين قد انشق عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم في 2013 ردا على “قمع” الأجهزة الأمنية للاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد وقتها.

وفي مقال تم تداوله بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي أرجع الرجل ما عده “انتصارا” لمنظمي العصيان إلى أن “القهر على المنع أيسر من القهر على الفعل”.

لكن ما يشغل الحكومة وخصومها اليوم ليس العصيان الذي مضى بل الجديد المحدد له 19 من الشهر الحالي والذي يمثل رمزية عند السودانيين لتزامنه مع ذكرى إعلان الاستقلال من داخل البرلمان قبل خروج الإنجليز فعليا مطلع العام 1956.

مسبقا، قلل مسؤولون من الدعوة لكن هذه المرة تبدو الخطوة أكثر تنظيما حيث توحدت كل التشكيلات الشبابية تحت قيادة واحدة وحددوا صفحة واحدة على موقع (فيسبوك).

وإن كانت قيادتهم لا تزال مجهولة أعلن شباب العصيان عن “تنسيق كامل” مع أحزاب المعارضة والحركات المسلحة الذين بدأوا بالفعل في حملات تعبئة وسط أنصارهم.

وهذه المرة ابتدع منظمو العصيان وسيلة جديدة لتسويق فكرتهم وذلك بحث مؤيديهم على كتابة “عصيان مدني – 19 ديسمبر” على الأوراق النقدية لجهة أن تداولها يفضي إلى تبليغ رسالتهم.

وخلال الأيام الماضية تم تداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي لأورق نقدية عليها شارة العصيان.

لكن الأكثر تداولا على الإطلاق خلال اليومين الماضيين هو إعلان فرقة “البلابل” الغنائية أحد أكثر الفرق شعبية في البلاد تأجيل حفل جماهيري كان مقررا تنظيمه في ساحة عامة يوم العصيان.

وفي صفحتها الرسمية على (فيسبوك) أذاعت الفرقة تأجيل حفلها لكنها لم تربط صراحة بينه والدعوة إلى العصيان.

من خلال تصريحات متفرقة لقادتها تبدو الحكومة متجاهلة للعصيان لكن زعيم حركة الإصلاح الآن ذكرهم في مقاله بأنهم يوم 27 نوفمبر”وقفوا مصطفين مع الجمهور أمام لوحة البورصة في انتظار رقم ما تشعّ به شاشات العرض”.

بالنسبة للرجل كانت تلك “ساعة مضاربة حرجة أوشكت فيها الأمور أن تفلت والأشياء أن تتداعى” لكن الأهم عنده أنه ” إذا حصل هذا مرّة فلن يمنعه مانع من أن يحصل ثانية وثالثة، وعندئذ ستكون قد تشكلت سنّة من سنن التغيير”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!