استراتيجيك كالتشر | لماذا لا يجب أن نثق في وسائل الإعلام الأمريكية


شنّ خبير الإحصاء العظيم “نسيم نيكولاس طالب” في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر هجومًا لاذعًا على وسائل الإعلام “الإخبارية” والأوساط الأكاديمية الأمريكية من خلال مقالة له تحت عنوان “سوريا وإحصاءات الحرب”, حيث بدأ مقالته بفضح البروفيسور المحتال في جامعة “هارفارد” والحائز على أعلى درجات التكريم الدكتور “ستيفن بينكر”, ثم تطرّق بعدها لكل المؤسسة “الفكرية” الأمريكية, بما في ذلك كل وسائل الإعلام “الإخبارية” الرئيسية التابعة لتلك المؤسسة, واصفًا إياها بأنها غير جديرة بثقة أي شخص ذكي.

وفيما يتعلق بالبروفيسور بينكر تحديدا, وضع “نيكولاس طالب” رابطا لورقة علمية شارك في تأليفها مع زميل آخر, حيث مزقت هذه الورقة الأسس التي ارتكز عليها أحد أكثر الكتب مبيعا للبروفيسور بينكر. في هذه الورقة العلمية, أشار “طالب” وزميله إلى إحدى المقالات التي نشرتها صحيفة الجارديان البريطانية, والتي أثارت تساؤلات جدية حول بحث البروفيسور بينكر, كما عرض طالب وزميله دليلا إحصائيا يظهر زيف بحث بينكر.

إن سيناريو فضح الاحتيال الفكري بات أمرا شائعا، والسبب الوحيد لعدم معرفة عامة الناس بهذا المجهود يرجع عادة إلى أن دحض الأعمال التي تحظى بتكريم كبير ليس له تأثير, كما أنه يفشل في محو الإجحاف الذي “رسّخه” الاحتيال الفكري المعني. وهناك مثال جيد آخر على ذلك حينما قدّم طالب الدراسات العليا في جامعة ماساتشوستس ” توماس هيرندون” دليلا على زيف الورقة البحثية الاقتصادية بالغة التأثير التي ألّفها كل من كينيث روجوف و كارمين راينهارت, والتي كانت تحت عنوان ” نمو في زمن الديون”, وهي الورقة التي تم الاستشهاد بها بصورة واسعة من قِبل أعضاء الكونغرس الجمهوريين و شخصيات محافظة آخري كـ “مبرر” أساسي لفرض إجراءات تقشف قاسية في الولايات المتحدة ودول أخرى أثناء مرحلة التعافي من الانهيار الاقتصادي الذي شهده عام 2008. وبعد مرور عدة سنوات, مازال طالب الدراسات العليا عاطلا عن العمل, بينما بقى كينيث روجوف, كما كان الحال قبل فضحه: أحد أبرز أساتذة الاقتصاد في جامعة هارفارد, وأحد الأعضاء في مجموعة الثلاثين- أي أقوى ثلاثين عالم اقتصاد نفوذا حول العالم. كذلك حافظت كارمين راينهارت على موقعها كأستاذة في جامعة هارفارد. في وقت سابق, أشار قسم الاقتصاد في جامعة هارفارد على روسيا الشيوعية بإتباع “ديمقراطية” تقوم على رأسمالية المقربين ( أو ديمقراطية فاشية), ولكن فلاديمير بوتين آنذاك تولى حكم روسيا, وتخلص من الجوانب الأسوأ في “الرأسمالية” التي روّجت لها جامعة هارفارد, وبذلك أصبح بوتين مكروها من قِبل النخبة الأمريكية ووسائل الإعلام “الإخبارية” التابعة لها- سبب كراهيتهم لبوتين يعود إلى محاولته تحقيق الاستقلال الوطني لروسيا, وتخليصها من التبعية للنخبة الارستقراطية الأمريكية ( وهي النخبة التي مازالت متشوقة للهيمنة على روسيا).

والآن, وعقب فوز دونالد ترامب على حساب هيلاري كلينتون إحدى أعضاء معسكر المحافظين الجدد الكارهين لروسيا, تحاول المؤسسة الأمريكية الحاكمة, من خلال وسائل إعلامية تابعة لها مثل واشنطن بوست, أن تشوه سمعته- مثلما شوه جوزيف مكارثي سمعة الشخصيات غير الموالية للفاشية في أمريكا في خمسينيات القرن الماضي. تقوم وسائل الإعلام الصغيرة المستقلة بنشر تقارير أمينة حول العلاقات الأمريكية-الروسية والانقلابات العسكرية والغزوات التي نفذتها أمريكا, في محلولة لإضعاف وغزو روسيا في نهاية المطاف, حتى لو كان ذلك يعني الدخول في حرب نووية.

كذلك, عندما ضخّ جورج بوش الابن ووسائل إعلامه “الإخبارية” السطحية الأكاذيب بشأن ” أسلحة صدام للدمار الشامل” في عام 2002, مستعينين في ذلك بباحثين من أمثال كينيث بولوك  ومايكل أوهانلون من معهد “بروكينجز”, حينها لم تكن هناك محاسبة لما اقترفوه: جورج بوش أعيد انتخابه, وكل العلماء الفاسدين حافظوا على وظائفهم, واستمرت سي إن إن وباقي وسائل الإعلام “الإخبارية” الأمريكية في استضافتهم بوصفهم “خبراء” للتعليق على الشؤون الخارجية- كما لم يُقدِم الجمهور الأمريكي الذي ضاق ذرعا بأكاذيب الإعلام على حذف محطة سي إن إن, والنيويورك تايمز, وبقية وسائل الإعلام “الإخبارية” الأخرى, يبدو أن الأمريكيين كانوا يرغبون في سماع المزيد من الأكاذيب. إن الجمهور أصبح لا يثق في وسائل الإعلام “الإخبارية” أكثر من أي وقت مضى, ولكن هل يدفعه انعدام الثقة هذا لإلغاء اشتراكه في تلك الوسائل الإعلامية؟ الإجابة هي “لا”.

فالجمهور الأمريكي على ما يبدو استجاب لعملية انتخاب أو اختيار دونالد ترامب كرئيس جديد للولايات المتحدة من خلال زيادة أعداد اشتراكه في وسائل الإعلام “الإخبارية” الرئيسية في أمريكا, وهذه الزيادة يمكن “تبريرها” على أساس أن ترامب كان يكذب حتى أكثر من هيلاري كلينتون نفسها, التي أراد كل أباطرة الإعلام لها أن تصبح الرئيس القادم.

وفي أعقاب الانتخابات مباشرة, ارتفع عدد المشتركين الجدد في صحيفة نيويورك تايمز, وول ستريت جرنال, و برو-بوبليكا وهي إحدى وسائل الإعلام “غير الربحية”, فضلا عن إذاعات الراديو الوطنية لأرقام قياسية. وأشارت شبكة “سي إن إن” إلى ” زيادة حصة صحيفة النيويورك تايمز من الاشتراكات المدفوعة بمعدل 41,000 مشترك في كل من نسختها المطبوعة, وموقعها الرقمي خلال الأسبوع الذي تلي الانتخابات الرئاسية, وهو ما يمثل أكبر زيادة في عدد الاشتراكات منذ أن أدخلت الصحيفة نظام الدفع paywall في عام 2011″.

وخلال حقبة سابقة, استجاب الجمهور الأمريكي بصورة مشابهة لوسائل الإعلام “الإخبارية” التي ورّطت بأكاذيبها الولايات المتحدة بالدخول في الحرب العالمية الأولى ( كان التمييز بين الحق والباطل في ذلك الصراع أقل وضوحا مقارنة مع الحرب العالمية الثانية, غير أن استثمارات بنوك “وول ستريت” في بريطانيا حينها كانت أكبر بكثير من استثماراتها في ألمانيا, ولهذا كانت “وول ستريت” أكثر تأييدا لبريطانيا, وتبعتها في ذلك وسائل الإعلام “الإخبارية” الأمريكية). لم يلغ الأمريكيون في ذلك الوقت اشتراكاتهم في أبواق الدعاية التي ورّطت بأكاذيبها الولايات المتحدة في الحرب. لقد استخدمت وسائل الإعلام الأمريكية أساليب مشابهة لتوريطنا في الحرب العالمية الأولى من أجل مساعدة الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا, تماما مثلما استخدمت نفس الأساليب لمساعدة إدارة جورج بوش الأب في عام 1990 لغزو العراق لمساعدة الطبقة الحاكمة في الكويت ( أسرة آل الصباح).

ومع ذلك, لا تكذب كل وسائل الإعلام الأمريكية في نفس الاتجاه. فعلى سبيل المثال, عندما كان الرئيس الجمهوري “جورج بوش الابن” في البيت الأبيض, كان جمهور محطة “فوكس نيوز” الموالية للحزب الجمهوري هو الأكثر انخداعا مقارنة مع متابعي وسائل الإعلام الرئيسية الأخرى, حيث أعطى هذا الجمهور أعلى نسبة من الإجابات الكاذبة, وذلك لأن وسائل الإعلام الجمهورية  حينها كانت تضخّ بروباجندا جمهورية حول رئيس جمهوري. ولكن عندما كان الرئيس الديمقراطي باراك أوباما في البيت الأبيض, لم تكن أكاذيب وسائل الإعلام الديمقراطية أقل فجاجة من نظيرتها الجمهورية.

لا يمكن لأي قارئ, أو مستمع, أو مشاهد ذكي بأي حال من الأحوال أن يثق في أي وسيلة إعلامية “إخبارية” أمريكية, سواء كانت وسائل إعلام رئيسية أو “مواقع إخبارية بديلة”. يجب أن يذهب الناس بدلا من ذلك لمواقع إخبارية أخرى كتلك التي تنشر هذا المقال الذي تقرءوه, ولكن هذه النوعية من المواقع لا تحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة ( كما أن معظمها أدرج ضمن قائمة المواقع التي ترغب النخبة الارستقراطية في الولايات المتحدة في حظرها). ولكن, وفوق كل شيء, لا ينبغي لأي شخص أن يثق في أي تقرير “إخباري” بدون التحقق من مصادره, وفي حال لم يتوفر أي رابط للتأكد من مصادره, فإن أي قارئ ذكي لن يثق أبدا في هذا التقرير, وأي تقرير “إخباري” يُصعّب من هذا الأمر, ينبغي اعتباره غير ذي مصداقية- وهذا يشمل بصورة خاصة الصحف, والمجلات, والتلفاز, والراديو, ووسائل الإعلام “الإخبارية” الأخرى, لأن هذا الوسائل تعتمد على جمهور لا يمتلك وسيلة سهلة للتحقق من مزاعمها. وبناء عليه, فإن أفضل مصادر الأخبار المتوفرة حالياً هي عبارة عن مواقع صغيرة إلى متوسطة الحجم, ومتوفرة فقط على شبكة الإنترنت, وهي نفس المواقع التي لم تتمكن النخبة الارستقراطية ( المليارديرات والمليونيرات) من السيطرة عليها بعد.                   

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!