أسطورة ماريا كالاس


 

       إن جميع أوجه النجاح في حياة الإنسان سواء على صعيد الشهرة أو الثروة أو المركز والنفوذ، لا تستطيع تعويضه عن الحب الذي فقده في طفولته, الحب الذي يبقى منقوصا يؤرقه في أعماقه حتى آخر يوم من عمره. وفقدان الحب في الطفولة يمكن تعويضه في مراحل قادمة من العمر إن عاش الطفل يتيما، أما أن يحرم من حب الأم أو الأب وهو يعيش معهم تحت سقف واحد، فإن هذا النوع من الحرمان العاطفي لا يمكن للزمن أو لأي عاطفة أخرى أن تعوضه.

 وقصة حياة مغنية الأوبرا اليونانية الأصل “ماريا كالاس” التي وثقتها المؤلفة آريانا ستاسينوبولوس، أكبر دليل على ذلك. فالشهرة العالمية التي وصلت إليها والتي جعلتها أسطورة عصرها، وحب وإعجاب الملايين من الناس بها ليس فقط كفنانة بل بشخصيتها الفذة لم يتمكنا من تبديد حزنها الداخلي وشعورها الدائم بالوحدة والقلق.

 وحين كانت الاسطورة تأخذ أبعادها، كانت المأساة تحيك وجودها في العلاقة المعقدة مع والدتها, وفي ارتباطها بصوتها واعتمادها العاطفي المبالغ به على علاقتها بالمليونير اليوناني أوناسيس، واجهاضها المحاط بالتكتم والألم والمهانة لدى زواج حبيبها من جاكلين كيندي أرملة رئيس الولايات المتحدة الراحل وهجرانه لها.

 في هذا الإطار الإنساني المختلف الأبعاد عاشت ماريا الإنسانة صراعا مؤلما صامتا احتفظت به لنفسها طوال مراحل معاناتها، ولم تفتح قلبها لأي إنسان من المقربين باستثناء عرابها صديق وطبيب العائلة. والذي استمرت في مراسلته طيلة سبعة عشر عاما. وتلك الرسائل كانت محور هذا الكتاب ودليل المؤلفة لولوج العالم الداخلي للفنانة ماريا كالاس التي أحاطت نفسها بحواجز منعت أقرب المقربين من تجاوزها.

 ارتبط اسم الفنانة في السنوات الأخيرة من شهرتها باسم المليونير أوناسيس وكثير من عامة الناس عرفها من خلال تلك العلاقة، التي كانت صدمة كبيرة بالنسبة لها تركتها في حالة عجز نفسي أدى إلى انهيارها كإنسانة وأنثى ومن ثم كفنانة.

 وقد نجحت المؤلفة في سرد مراحل حياة هذه الإنسانة ومأساتها ببراعة ودقة وأمانة، وتذكر بأنها لم تتمكن معرفة ماريا كالاس رغم جميع الوثائق التي جمعتها عنها من الأرشيف واللقاءات مع الأشخاص الذين شكلوا جزءا من حياتها في مراحل مختلفة، إلا عندما حصلت على رسائل الفنانة إلى عرابها والتي كانت تبوح له بكافة ما يجول في فكرها وقلبها. تلك الرسائل كشفت عن ماريا الإنسانة التي عاشت في حرمان عاطفي كافة حياتها ولم تنعم بالسعادة رغم ما حققته من نجاح عالمي.

 وتذكر المؤلفة في مقدمة كتابها الصادر عن دار نشر جورج ويدنفيلد في لندن في عام 1980، وهو من القطع الكبير ويضم 316 صفحة، بأن ماريا كالاس قد أحيت كافة الشخصيات التي أدتها في أدوارها على خشبة المسرح سواء في دور نورما أو فيوليتا أو توسكا. وأضافت لكل شخصية أدتها بعدا جديدا متميزا عجزت بقية المغنيات في الارتقاء إليه، مما جعلها فنانة القرن.

 كان جدها الكولونيل الإيطالي ديترويس ديميترياديس قد اشتهر بصوته الأوبرالي، وحينما قررت ابنته الأثيرة إلى قلبه، ايفانجيلا الزواج من خريج الصيدلة اليوناني، جورج كولاجيروبولس، عارض بشدة. غير أن ابنته التي كان يناديها باسم ليتزا تزوجت من جورج بعد وفاة والدها بستة عشر يوما.

 ولم يمضي ما يزيد عن ستة أشهر حتى أدركت ايفانجيلا بأن والدها كان على صواب، وبأن جورج لن يحقق لها أحلامها وطموحاتها الواسعة في العيش حياة أرستقراطية متميزة. رضخت الزوجة للواقع ومارست حياتها كزوجة تقليدية لا يربطها بزوجها سوى الواجبات الأساسية.

 لم تتغير الحياة الزوجية إلا بعد أن حملت للمرة الثانية وأنجبت ولدا سمياه فاسيلي، إذ عادت أواصر الحب والألف تربط بين الزوجين. غير أن فاسيلي كان من الضحايا الأوائل لوباء التيفوئيد، وبوفاته مات الحب بين الوالدين وعاشا حياة منفصلة لا يجمعهما معا سوى محبتهما لابنتهما جاكي.

 ولدت ماريا كالاس في 2 ديسمبر 1923 بعد أن هاجرت العائلة إلى الولايات المتحدة واستقرت في نيويورك. وضع مولدها حدا لأمل الوالدين في انجاب ولد يعوضهما عن فاسيلي. منذ الرابعة من عمرها أبدت ماريا اهتماما بالبيانو والموسيقا.

 ولدى انهيار السوق المالي في وول ستريت في عام 1929، عانت العائلة من ضائقة مالية شديدة استمرت لسنوات طويلة مما ساهم في تنافر الزوجين وزيادة خلافاتهما. ولدى فقدان ايفانجيلا حياتها المرفهة، كرست اهتمامها وحياتها على ابنتيها لتمنحاها التميز الذي تنشده على الدوام. ولم يكن سهلا على الأخت الصغرى، الأكثر بدانة والأقل جمالا وفتنة من جاكي تقبل مكانتها، ومنافسة أختها في الاستئثار بحب والدتها، وقنعت في أعماقها بأنها البطة السوداء، المنبوذة من الجميع. والاستثناء الوحيد في تلك المرحلة كان عرابها الذي وقف وساعد العائلة في أزماتها المالية.

بدات ماريا دروس البيانو في عام 1930 وهي في السابعة من عمرها. وتروي والدتها للمؤلفة اللحظة الأولى التي لفتت موهبتها انتباهها، “كانت ماريا في أحد أمسيات شهر مايو تعزف على البيانو وتغني أغنية الأوبرا “لا بالوما” وهي العاشرة من عمرها، والنوافذ مشرعة. عندما وقفت أمام النافذة استرعى انتباهي حشد من الناس يقف مصغيا لغنائها وحينما توقفت عن الغناء، صفقوا كثيرا وتفرق الجمع.”

 وحينما كانت ماريا تحلم بأن تصبح طبيبة أسنان، كانت والدتها قد انتهت من رسم مصير ابنتها في أن تصبح ليس فقط مغنية، بل مغنية عظيمة، لا بل مغنية ذات شهرة عالمية. كان الجد في ذاكرة ايفانجيلا والأحلام بالسعادة والشهرة والمال تهيمن عليها، فمن خلال ابنتها ستحقق كل ما كانت تتمناه.

 دفعت الوالدة ماريا على طريق النجاح بحماس جعلها تغفل عن احتياجات ابنتها العاطفية إلى الحب والحنان. كانت ماريا محرومة من الحب الغير مشروط. ولم يمضي وقتا طويلا حينما أدركت بأن صوتها هو سلاحها لا كتساب الحب والشعور بالاهتمام، وتقول ماريا في إحدى مقابلاتها النادرة التي لمحت فيها إلى حياتها الخاصة، “لم أكن أشعر بأنني محبوبة، إلا عندما أغني”.

 وفي بيئة المجتمع الذي عاشت فيه ماريا، كانت مواصفات الجمال والأنوثة محور وجود المرأة وحدود عالمها وحياتها، ومن تحرم من تلك الميزات تفقد فرصتها في الزواج وتحقيق أحلامها. وقد أدركت ماريا انعدام فرصها، منذ كانت في الخامسة من عمرها حيث وضعت نظارة سميكة. كانت على يقين من قباحتها حتى أنها كانت تتجنب النظر في المرآة، وحرمانها من الحب جعلها تجد تعويضا في التهام الطعام بشراهة كبيرة.

 وفي عام 1936 عادت ماريا مع والدتها إلى اليونان حيث سبقتهما جاكي. كانت الأم على يقين بأن نجاح ابنتها مرهون بحصولها على دروس الغناء من محترفين وطبقا للقواعد الفنية.

 وفي اليونان وبعد اتصالات عديدة، نجحت في وضع ابنتها على بداية الطريق الصحيح، حينما قبلت المغنية الإيطالية الشهيرة تدريس ماريا كالاس، وأيضا في حصول ماريا كالاس على منحة دراسية في المعهد الموسيقي بعد تزوير عمرها من 13 سنة إلى 16 عاما.

أمضت ماريا كالاس أيامها في الدراسة من العاشرة صباحا وحتى المساء، ولم تكن تسنح لها الفرصة للاختلاء بنفسها لسنوات. غير أن ماريا تقول بأن الذي تعلمت منه الأكثر هو عصفور الكناري ديفيد، فقد كانت تغني معه وتجاريه صعودا وهبوطا من خلال محاولات التحكم بطبقات صوتها حتى نجحت أخيرا في الانطلاق بصوتها بلا حدود.

 ولم تمنعها الحرب العالمية الثانية واحتلال النازيين لليونان من تقليل حماسها أو منعها من الذهاب يوميا إلى مدرستها التي أحبتها، ووجدت فيها أما بديلة منحتها الحب والاهتمام وعلمتها فن الحياة والتعامل مع الجسد وخشبة المسرح إلى جانب صوتها وأدائها في الغناء.

 وقد ساعدها غنائها في حماية بعض جنود الحلفاء الذين اختبأوا في بيت عائلتها ونجحت في تضليل الألمان عدة مرات وإغفال مهمتهم في تفتيش المنزل من خلال، عزفها وغنائها لهم. كما ساهم غناءها في تحقيق الحماية لها ولعائلته وتزويدهم الدائم بالطعام بمختلف أصنافه. وقد ساعد التقنين في الطعام على فقدان ماريا لبدانتها مع مضي الوقت وقد ساعدت مدرستها في شفائها من مرض الشراهة.

 +++++++++

وفي 12 ابريل عام 1949 وقبل سفرها بشهر تزوجت مينجيهيني وفي حفل الافتتاح غنت توراندوت ولمدة 3 دقائق والتي رسخت ليس فقط نجاحها عالميا بل تميز صوتها وتفرده. عادت بعد الحفل إلى إيطاليا وقدمت العديد من الأعمال التي كانت تزيد من شهرتها وعمق تجربتها الفنية.

 وفي عام 1950 عادت لتقديم أوبرا عايدا في المكسيك ودعت والدتها إلى مرافقتها. انهالت الدعوات على شرف حضور والدتها. عاشت إيفانجيلا حلم الماضي وتعايشت بسهولة تامة مع المجتمع المخملي والطبقة الارستقراطية. وفي تلك الزيارة التي جمعت بين الأم وابنتها، حاولت الأم التقرب بعاطفتها من ماريا، التي صدتها بقسوة تستر ألم الماضي، ففي أعماقها لن تسمح لمن حرمها من الحب ومن طفولتها أن يمنحها الآن ما كانت في أمس الحاجة إليه في الماضي.

 عادت ماريا إلى إيطاليا لتستمر رحلة النجاح والتألق، وقد جعلها أدائها لدور ميدايا الذي تجاوزت فيه نفسها، أن تحتل مكانة لم يصل إليها أي فنان في تاريخ فن الأوبرا. واستمرت في تقديم الأعمال بين فرنسا ولندن والولايات المتحدة.

 وفي عام 1959 التقت ماريا كالاس بآريستول أوناسيس للمرة الثالثة مع زوجته الجميلة تينا في أحدى الحفلات في فينيسيا. وقد لاحظت الزوجة خلال الحفل اهتمام زوجها الدائم بماريا، الذي وجه لها ولزوجها دعوة لرحلة على يخته كريستينا. وقد دهشت زوجته من سلوكه واهتمامه لمعرفتها بعدم حبه للأوبرا.

ولأول مرة تخرج ماريا من قوقعة عزلتها الداخلية. وعلى متن اليخت بدأت تتحول بطلة الأسطورة إلى انسان يختبر للمرة الأولى مشاعر الحب والهيام، والشعور بأهميته لشخصه. وجرفتها عاطفتها التي وجدت متنفسا لإنسانيتها إلى الانقياد خلف مشاعرها غير آبهة بما يجول من حوله وتأثيره على الآخرين، ابتداء من زوجها وانتهاء بالصحافة والإعلام.

 كان من الصعب على العامة تفهم حب ماريا وحبها. كانت في السادسة والثلاثين من عمرها حينما اكتشفت للمرة الأولى من خلال أوناسيس معاني الحب في مختلف جوانبه والتي حرمت من معظمها حتى لحظة لقائها به.

 وللمرة الأولى تمارس حياتها كإنسانة أو كامرأة عادية، وتتصرف كامرأة عاشقة تجعل من حبيبها محورا لحياتها. وقدم زوجها في المحكمة دعوى انفصال رسمي. وبعد مضي 11 يوما من انفصال ماريا الرسمي عن مينجيهيني، تقدمت تينا بدعوى الطلاق من زوجها أوناسيس في محكمة نيويورك.

 لم يكن أوناسيس سعيدا، ولم يكن راضيا لفكرة الانفصال عن زوجته أم ولديه والتي كان يحبها، وأسوة بغيره من الرجال لم يكن يرى أية مشكلة في الاحتفاظ بزوجته وعشيقته على السواء. وكان لحياتها مع أوناسيس ومجاراتها له في إيقاع حياته، تأثيره على صوته.

 ورغم نفورها من حياة الليل والسهر والشراب والحياة المخملية، إلا أنها جارته في حياته وأحبت واهتمت بكل ما كان يحبه ويثير اهتمامه. وبدأ أوناسيس يغيب عنها في رحلات طويلة وقصيرة، أجبرت ماريا نفسها على تقبلها .

رشا المالح*

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!