أولاند يصرّح وميركل تلمّح.. بروكسل ستجعل من بريطانيا عبرة لبقية دول الاتحاد


أبدى عدد من قادة الاتحاد الأوروبي، رغبتهم بإرسال إشارات تهديد قوية لدول وأحزاب أوروبية تسعى لتفكيك الاتحاد، من خلال سلك أقسى الطرق الممكنة لإجراء عملية انفصال بريطانيا المرتقب.

وفي 2 أكتوبر/تشرين أول الجاري، أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، بأن قرار خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي سيدخل حيز التنفيذ أواخر مارس/ آذار 2017، بحسب تصريحات أدلت بها.

وبالرغم من أن لوائح الاتحاد تمنح الأعضاء مهلة عامين لإتمام إجراءات المغادرة، وفرصة للتفاوض على عدد من الامتيازات وعقد عدد من الاتفاقيات، وبالتالي الخروج بأقل الخسائر لكلا الطرفين، إلا أن مسؤولين في الاتحاد لم يخفوا رغبتهم بـ”معاقبة” بريطانيا على قرارها.

فرصة توظيف أزمة لندن أوروبياً

الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، أشار في تصريحات نقلتها عنه صحف أوروبية تفيد بضرورة “معاقبة” بريطانيا على قرار الخروج من الاتحاد، وذلك خلال اجتماع في باريس عقده بتاريخ 6 أكتوبر/ تشرين أول الجاري بحضور رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، والمفوض الأوروبي لإدارة عملية خروج بريطانيا، ميشيل بارنيار.

لم يستخدم المسؤولون الألمان تعبير أولاند، إلا أن حديثهم عن الإجراءات الاقتصادية الصارمة بحق لندن لا تقل قسوة، حيث قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في 6 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، بأن “الحفاظ على تماسك مبدأ حرية الحركة التجارية بين الدول الأوروبية، التي تضمنها العضوية في الاتحاد الأوروبي، أولى من الحفاظ على بريطانيا كسوق للمنتجات الألمانية”.

جاء ذلك في خطاب للمستشارة الألمانية في المؤتمر السنوي لاتحادات الصناعة الألمانية، عبّرت فيه، بشكل غير مباشر، عن رغبة إدارتها جعل خروج بريطانيا من الاتحاد “عبرة” لبقية الأعضاء، وبالتالي ضمان الحفاظ على الوحدة الأوروبية، التي توفر حرية الحركة التجارية، وإن جاء ذلك على حساب تأذي الصادرات الألمانية إلى بريطانيا.

رأت صحف ومراكز أبحاث أوروبية وعالمية بأن أولاند وميركل، يسعيان لردع أي مسعى مشابه قد تتخذه دول أو أحزاب أوروبية، من خلال وضع بريطانيا في ذلك المربع، وخصوصاً من داخل فرنسا وألمانيا بالتحديد.

فقد خلص تقرير لمركز “ستراتفور” (Stratfor) الأمريكي للأبحاث الاستراتيجية، في 4 أكتوبر/تشرين أول الجاري، إلى أن أكبر المرشحين لمغادرة الاتحاد هم الدول الثلاث الكبرى، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، خصوصاً مع تنامي التيارات اليمينية فيها، وتراجع أداءها الاقتصادي، وما قد يبدو إسهاماً لضعف أداء مؤسسات الاتحاد وعملته “اليورو” في تعزيز ذلك التراجع على المستوى المحلي.

وبحسب التقرير، تأتي الدول التي تمتلك عضويةً دون المشاركة في منظومة اليورو، في المرتبة الثانية من حيث احتمال أن تقتفي خطى لندن.

وتعد كل من بلغاريا، كرواتيا، التشيك، المجر، بولندا، رومانيا، السويد، الدنمارك، بالإضافة إلى بريطانيا، أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مع احتفاظها بعملاتها المحلية، في حين يستخدم اليورو 19 من الأعضاء الـ28.

فقد خلص إلى أن خروج تلك الدول من الاتحاد يترتب عليه أضرار أقل على بروكسل (مقر الاتحاد) من خروج دول تستخدم اليورو عملة لها، الأمر الذي يظهر الفرق بين تعاطي الأوروبيين مع كل من بريطانيا واليونان على سبيل المثال.

فقد ظهر بأن القادة الأوروبيين لم يريدوا تفويت فرصة استخدام الحالة البريطانية لردع الأصوات المعارضة لحالة الاتحاد، فلندن لا تستخدم اليورو، أي أن خروجها لن يكون بكلفة خروج أثينا، بحسب تقرير ستراتفور.

ومن جهة أخرى، فإن لندن وقفت عائقاً أمام تطبيق عدد من سياسات برلين وباريس على مستوى الاتحاد، وخصوصاً في ملفات كحرية تنقل العمالة، والسياسة الضريبية، والجيش الأوروبي، والحد من استخدام الطاقة النووية، وغيرها. ما يجعل كل ذلك من خروج بريطانيا الأقل كلفة، وبالتالي الأمثل، لتوظيفه في تجنيب الاتحاد سيناريوهات أسوأ مستقبلاً.

بريطانيا بين خيارين

وكل ما ذكر سابقا يضع لندن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما خروج قاس من الاتحاد، دون ميزات خاصة أو جدولة تمنح الاقتصاد البريطاني فرصة لتفادي أكبر قدر ممكن من أضرار عملية الانفصال، أو الالتفاف على قرار المغادرة، من خلال إجراء استفتاء آخر أو استخدام صلاحيات الملكة، وهو ما يواجه عقبات قانونية.

وسيكون الخروج دون التوصل إلى تسوية مع الأوروبيين، أو تمكن حكومة تيريزا ماي من الالتفاف عليه أو إلغائه، أمراً موجعاً للاقتصاد البريطاني بكلا الحالتين، وقد يتسبب بأزمة حقيقية للندن تستمر تداعياتها لسنوات.

ونقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية، 10 أكتوبر/تشرين أول الجاري، عن تقارير حكومية مسربة، بأن الخروج القاسي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكلفها 66 مليار جنيه استرليني سنوياً (80.45 مليار دولار)، بواقع خسارة قد تبلغ 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبحسب الصحيفة، فإن التقارير أفادت بأن مرد تلك الخسائر هو رفض الأوروبيين احتفاظ لندن ببعض امتيازات السوق الموحدة والتدرج في تعديل حالة عضوية لندن في منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي وصفته المستشارة الألمانية بـ”سعي بريطانيا لامتلاك قدم داخل الاتحاد وأخرى خارجه”، وهو ما رفضه قادة الاتحاد بشكل قاطع.

تداعيات

أيّاً كان الشكل النهائي الذي ستنتهي إليه الأزمة، فإن ضربةً موجعة قد تلقتها تيارات اليمين واليمين والمتطرف المعارضة لقيادة الاتحاد الحالية، والتي كانت قد تعززت بوجود حزب المحافظين البريطاني الحاكم إلى جانبها في البرلمان الأوروبي.

فالحزب البريطاني الكبير، إما سيغادر البرلمان الأوروبي نادماً، أو سيبقى فيه مع تغير كبير في موقفه، عدا عن تأثير كل ذلك على توجه الناخبين الأوروبيين.

وينتظر بأن تلقي أزمة بريطانيا الحالية ظلالاً على عدد من الملفات، أبرزها أزمة اللاجئين وتداعياتها المختلفة، التي شكلت خلال السنوات الأخيرة محفزات لدول وأحزاب لتبني الدعوة للمغادرة، أو إنهاء المنظومة الأوروبية الموحدة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!