هل يريد الغرب فعلا إنقاذ ليبيا


لعدة أشهر كان واضحا للجميع، باستثناء عدد قليل من الدبلوماسيين الغربيين، أن ليبيا تسقط سريعًا نحو الاصطدام بالصخور. حيث فشلت سلسلة من المحادثات التي يقودها الغرب حول انحدار البلاد في تغيير هذا المسار أو إبطاء سقوطه السريع، وأحيانًا تجرى هذه المحادثات دون وجود ليبي واحد فيها.

واليوم (الاثنين 31 أكتوبر) تستضيف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اجتماعًا آخر من هذا القبيل، وهذه المرة في لندن ويدور حول الاقتصاد المنهار في ليبيا. وإلى جانب المسئولين الليبيين الرئيسيين وأعضاء البرلمان والوزراء غير المنتخبين وممثلين عن البنك الدولي – الذي حذر مؤخرا من أن ليبيا كانت على شفا “كارثة اقتصادية” – ومن المتوقع أن صندوق النقد الدولي يلزم وزارة الخارجية والكومنولث البريطاني بالمشاركة في مهزلة ليبية أخرى والتي من المرجح ألا يكون لها أي تأثير على أرض الواقع مثل جميع الاجتماعات السابقة.

وفي خضم ما قد يصبح كارثة دولية في ليبيا تقف حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة – وهي كيان ميؤوس منه، فشلت بعد عدة أشهر في السلطة، في فرض السيطرة الكاملة حتى على العاصمة طرابلس. وأصبح ضعف حكومة الوفاق ومجلسها الرئاسي غير المنتخب دليلاً واضحًا بشكل متزايد على أنها غير قادرة على المطالبة باستعادة السيطرة على المجمع البرلماني وفندق ريكسوس الفاخر الملحق به، بعد أن سيطرت عليه في وقت سابق من هذا الشهر حكومة الإنقاذ الوطني غير المنتخبة أيضًا والتي فرضت نفسها، وهي كيان إسلامي ثقيل سيطر على طرابلس وأجزاء من غرب ليبيا لمدة عامين.

ويعتبر معظم الليبيين العاديين أن حكومة الوفاق الوطني غير فعالة في أحسن الأحوال، وعلى أسوأ تقدير فهي انقسامية، كذلك فقد رفضها  مجلس النواب في المنطقة الشرقية – وهو الكيان البرلماني الوحيد المنتخب في ليبيا. وعلى الرغم من النجاح الذي حققه مؤخرًا، من خلال حكومته وذراعه العسكري بقيادة اللواء خليفة حفتر، في إعادة فتح بعض الموانئ النفطية الرئيسية في البلاد التي شهدت إنتاج النفط ثلاث مرات في شهرين فقط، إلا أن الغرب – رغم ذلك – لا يزال يلقي بدعمه الكامل وراء حكومة الوفاق، مما أدى إلى تفاقم الانقسام بين الشرق والغرب القائم بالفعل، والذي يشير بشكل متزايد نحو التقسيم.

والإنجاز الوحيد الذي حققته حكومة الوفاق الوطني حتى الآن هو دعم المعركة التي تقودها ميليشيا تحرير مدينة سرت مسق رأس معمر القذافي من احتلال داعش. وقد أتاحت هذه المعركة، التي دامت عدة أشهر، لبريطانيا والولايات المتحدة وإيطاليا اكتساب موطئ قدم عسكري، ولو مؤقتًا، في البلاد، وهو الأمر الذي تجاهلته وسائل الإعلام الدولية تمامًا مما يعطي مؤشرا مقلقا أن هناك مزيدًا من المناورات العسكرية الدولية وفق مصالح تلك الدول.

وليس من العجيب إذن أن يولي الغرب رغبة جامحة في استضافة محادثات “انقذوا ليبيا” وإدارتها والمشاركة فيها.

وبدلا من محاولة العمل مع جميع الأطراف الليبية، طوال عام 2016 الذي شهد الهبوط الليبي الكارثي نحو الهاوية، فقد ضاعفت الولايات المتحدة وبريطانيا – مهندسا مشروع حكومة الوفاق الرئيسيين –  رهاناتهما. واليوم، ورغم ذلك يعطون عرضًا آخر من الدعم الشعبي لحكومة الوفاق المتعثرة، واستضافة هذا الاجتماع الأخير الذي يبدو وكأنه محاولة لدرء كارثة اقتصادية.

ولكن في ليبيا نفسها، فالكارثة قائمة بالفعل على قدم وساق، وليس فقط اقتصاديا بل سياسيا واجتماعيا وعسكريا. ويدرك الغرب مدى سوئها – إضافة إلى هذا، تركت السفارات الغربية البلاد منذ أكثر من عامين، إلى جانب معظم منظمات الإغاثة الدولية، بما في ذلك تلك التي تعمل بانتظام في أخطر مناطق العالم التي تعاني من الحروب والأزمات. وما زالت الكيانات الليبية مثل حكومة الوفاق غير مستقرة وغير آمنة حتى أنها تدير البلاد من تونس المجاورة وهو ما أثار السؤال: إلى أي مدى يمثل هؤلاء الوزراء والنواب، الذين حضروا جلسة اليوم، الشعب الليبي؟

هل هناك أجندة أخرى وراء اجتماع “أنقذوا ليبيا” الأخير؟ سيحضر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري اجتماعات لندن مع رجله في ليبيا جوناثان وينر، مما أثار ثرثرة ساخرة حول ما أن الاجتماع كان في جزء منه حول ليبيا ولكن في جزئه الأكبر فهو محاولة مستمرة لدعم حملة هيلاري كلينتون للانتخابات الرئاسية. ومع ذلك، فقد كانت جزءًا من حملة دونالد ترامب ضد كلينتون حيث اتهمها بالقيام بمغامرة سياسة خارجية – حملة قصف الناتو ضد معمر القذافي في 2011 – ومقتل السفير الأمريكي ستيفنز، فضلا عن فشل إدارة أوباما بشكل عام في منع ليبيا “المحررة” من الانحدار نحو الفوضى. وبعيدا عن كل هذا، ما زال التحقيق مستمرًا حيث فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقًا حديثا حول تورط كلينتون.

ومع غياب عدد من كبار المسئولين الليبيين، ممن يتمتعون بسلطة كبيرة على الأرض، عن اجتماع اليوم، لا سيما من مؤسسات الحكم المنتخبة ديمقراطيا والتي تتخذ من شرق البلاد مقرها، فمن غير المرجع أن يخرج اجتماع يوم الاثنين بأي شيء ما عدا المزيد من الدعاية الإعلامية، في محاولة لتغطية الشقوق الآخذة في الاتساع والتي تنخر في جميع أنحاء ليبيا. وأعتقد أن الأمل هو أن ذلك ربما يستمر لفترة طويلة بما يكفي لأن يراها أصدقاء كلينتون في لندن يوم الانتخابات المقرر عقدها في الثامن من نوفمبر.

أضاف المجتمع الدولي بالفعل ما يكفي من الضرر في ليبيا. وقد حان الوقت لأن تستعيد البلاد قوتها وحكمها الذاتي واتخاذ خطوات نحو تقرير مصيرها. ويبدو أن هذه الاجتماعات الخارجية تعمل على تعزيز مصالح جميع الدول باستثناء ليبيا، وهو ما يؤكد ضرورة التخلص التدريجي منها، وينبغي أن يبدأ العديد من قادة ليبيا واللاعبين الأساسيين فيها التركيز على إيجاد حلول للبلاد، مع الخصوم السياسيين – ربما باستثناء أعضاء تنظيم القاعدة، الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة سابقا وجماعة الإخوان المسلمين – في الواقع إن اجتماع الليبيين فقط مع بعضهم البعض في بلدهم لإنشاء لجنة تقصي الحقيقة والمصالحة والتي يمكن أن تبدأ في لم شتات الشعب الليبي.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!