53 عاما وتركيا تطرق أبواب الاتحاد الأوروبي دون جدوى


بينما تبقي أوروبا “الباب مواربا” في مسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لدوافع مختلفة، تنتظر أنقرة منذ 53 عاما الانضمام اليه ولكن دون جدوى، حيث يتذرع “الأوروبي” في كل مرة بذريعة جديدة تحول دون ذلك، بل إن أوروبا تنفي أي احتمالية لتوسيع الاتحاد قبل عام 2020.
يأتي ذلك في الوقت الذي ترى فيه تركيا أن دولا “أقل منها أهلية للعضوية” تنضم الى الاتحاد، وأنه ليس هناك من عائق في هذا الشأن، الأمر الذي دفع بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى تصعيد لهجته إزاء الاتحاد الذي طالبه مؤخرا “بإعلان موقف واضح” بهذا الخصوص، معبراً بذلك عن إحباط أنقرة أمام مراوحة الحال بين وعود لم تنفذ منذ عقود .
ومنذ عام 1963 وهو تاريخ طلب تركيا الانضمام الى أوروبا، تحاول أنقرة إقناع الأوروبيين بأهمية وجودها بالعمق الأوروبي ضمن منظومة الاتحاد، مقدمة طلبا رسميا للانضمام له عام 1987، فيما بدأت المفاوضات بهذا الشأن عام 2005، وفي عام 1999 اعترف بتركيا رسميا كمرشح للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.. وقد أثار طلب العضوية هذا جدلا كبيرا خلال عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، غير أن شيئا لم يتغير، وبقيت تركيا خارج سياق الاتحاد حتى اليوم .
ورغم خروج بريطانيا من الاتحاد هذا العام، ما زالت تركيا تدافع عن حقها في الانضمام اليه، رغم قناعة أوروبية بعدم امكانية ترجمة ذلك على أرض الواقع، حيث يختصر حديث لرئيس فرنسي أسبق الموقف الأوروبي، إذ قال:”انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يعني نهاية أوروبا.. فعاصمتها ليست في أوروبا، و95 بالمائة من سكانها يعيشون خارج أوروبا، لها ثقافة مختلفة وحياة مختلفة، إنها ليست دولة أوروبية، وتاريخيا لا تنتمي للحضارة الأوروبية”.
ويبدو أن تعنت أوروبا حيال تركيا تصاعد في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، حينما وجهت أوروبا “انتقادات لاذعة” لكيفية تعامل النظام مع الانقلابيين وإعلانها حالة الطوارئ، راصدة سببا آخر من الأسباب الكثيرة التي تجملها أوروبا لمنع انضمام تركيا إليها، في وقت اعتبرت فيه أنقرة أن موقف أوروبا هذا “متعصب ومتحيز”، إذ أن تركيا قامت بإجراءات لحماية نفسها إبان فترة الانقلاب، فيما قامت فرنسا بموقف مواز له العام الماضي عقب التفجيرات التي شهدتها أكثر من مدينة فرنسية، إلا أن الأخيرة لم تنتقد، بل اعتبر تصرفها حق لضمان أمن فرنسا.
ورغم وفاء تركيا بالتزاماتها حيال اوروبا فيما يتعلق باتفاقية وقف تدفق المهاجرين ، بانتظار إعفاء الأتراك من تأشيرة دخول الاتحاد الأوروبي الذي كان أحد شروط الاتفاقية، إلا أن الأتراك لم يعف من التأشيرة أيضا.
وتعبر تركيا عن انزعاجها من عدم الاكتراث الأوروبي إزاء الأعباء التي تتحملها تركيا في ملف اللاجئين واثر ذلك في تخفيف العبء على أوروبا، الا أن الاتحاد الأوروبي لم يف بتعهداته تجاه أنقرة فيما يخص ملف اللاجئين، ولم تتسلم تركيا أي مساعدات مالية لمواجهة تلك الأزمة إذ اقتربت أعداد اللاجئين من 2.7 مليون لاجئ سوري، إضافة الى 300 الف عراقي، الأمر الذي يؤرق تركيا التي تستغرب من هذه المماطلة الأوروبية.
ويثار تساؤل دائما: “لماذا لا ترغب أوروبا في تركيا ضمن اتحادها؟”، يفند متابعون أسبابه بأن أوروبا تخشى من أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سيجعلها ثاني أكبر عضو في الاتحاد من حيث عدد السكان بعد ألمانيا، حيث بلغ عدد سكان تركيا حوالي 78 مليون نسمة وفقًا لإحصاء عام 2015، وقد تكون تركيا العضو الأول في الاتحاد خلال السنوات القليلة القادمة وفقا لتقديرات، وهذا التعداد يعطي لتركيا عددا أكبر من الممثلين داخل البرلمان الأوروبي ويجعلها من الأعضاء الفاعلين فيه، ما يثير مخاوف سياسية عديدة لدى دول الاتحاد من أن “تتحول القضايا الإسلامية في تركيا إلى قضايا أوروبية نظرا لأن الديانة الرئيسية في تركيا هي الإسلام”.
وتبدي أوروبا مخاوف أيضا من أن انضمام تركيا للاتحاد “سوف يدفع بعدد كبير من المهاجرين الأتراك إلى بعض دول الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها للبحث عن فرص عمل، ونظرا لأن العمالة التركية تعتبر من العمالة الرخيصة فسوف يساعد هذا على تدني الأجور في هذه الدول وزيادة معدلات البطالة، إضافة إلى توقع انتشار السلع التركية الرخيصة في دول الاتحاد ، مما سوف يؤثر على أسعار الصناعة المحلية في هذه الدول”.
كما أن عملية الانضمام هذه ستتيح للمستثمرين الأوروبيين القيام باستثمارات في تركيا التي تعتبر من أكبر أسواق أوروبا، في ظل الخوف من تقدمها في مجال الصناعات والاقتصاد.. وتخشى أوروبا من الوضع الجغرافي لتركيا، حيث أنه وباستثناء مدينة إسطنبول وجزء صغير من غرب البلاد، فإن تركيا تقع جغرافياً في آسيا، وليس في أوروبا، وبحكم هذا الموقع تجاور تركيا دولا في الشرق الأوسط مثل إيران وسوريا، فإذا ما انضمت تركيا إلى المجموعة الأوروبية فإن ذلك يعني امتداد حدود أوروبا حتى الشرق الأوسط بكل ما فيه من “تعقيدات ومتاعب سياسية وأمنية”، بحسب مراقبين.
وفي ظل استطلاعات رأي عام أوروبية، فإن العضوية التركية “غير مرغوبة شعبيا لأن هناك تخوفا شعبيا أوروبيا من تغيير ديموغرافي للثقافة الأوروبية”.
ومن اللافت أن أمريكا تؤيد انضمام تركيا للاتحاد في وقت تذبذب فيه الموقف الفرنسي حيال ذلك بين مؤيد ومعارض، إذ يبرر الموقف الأوروبي المعارض بأن تركيا هي إحدى دول آسيا وليست أوروبية حتى تنضم لأوروبا لتعلو أصوات فرنسية تأييدا فقط “لشراكة بين تركيا والاتحاد” ،ولكن ليس كعضو فيه.. فيما تعتبر اليونان من أكثر الدول معارضة لانضمام تركيا بسبب الخلاف التاريخي بين الدولتين والنزاع على جزر إيجة.
ورغم تأكيد تركيا على ضمان حرية التعبير استنادا لمواد الدستور والقوانين ذات العلاقة، وقول مدافعين عن حق أنقرة في الانضمام “إنه على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية أثبتت الحكومة التركية كونها الضامن الرئيسي لحرية التعبير، خاصة من خلال إصلاح النظام القضائي”، إلا أن أوروبا توجه انتقادات لها في هذا الصدد.
ويرى محللون مؤيدون لانضمام تركيا للاتحاد أن تركيا جديرة بذلك خاصة أن اقتصادها نجح في خلق 4 ملايين وظيفة جديدة منذ عام 2009، والكثير من هذه الوظائف تتطلب عاملين من ذوي المهارة العالية، وقد أدى ذلك إلى تضييق الفجوات التي كانت قائمة في جودة الخدمات الصحية والتعليم بشكل ملموس، سواء في داخل تركيا أو بينها وبين غيرها من البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، علاوة على ذلك، كانت تركيا بين البلدان الأسرع تحسنا فيما يتصل بجودة البنية الأساسية، بما في ذلك النقل والاتصالات والطاقة.. كما بذلت أنقرة جهودا حثيثة لتعزيز الديمقراطية من خلال توسيع نطاق الحريات والحقوق المدنية.
وقالوا إنه على مدى السنوات الـ 12 الماضية، تبنت تركيا أكثر من 2000 تشريع جديد بهدف الوصول إلى معايير الاتحاد الأوروبي في مجالات مختلفة، وفي العقود الأخيرة نفذت إصلاحات شاملة تغطي نطاقا واسعا من القضايا، كالعلاقات المدنية العسكرية إلى حقوق الأقليات، كما اتخذت تركيا خطوات جريئة تهدف إلى تحقيق التسوية السلمية للقضية الكردية التي ظلت تشكل مصدراً للانزعاج لعقود من الزمان، ومما لا يمكن إنكاره أن طموح تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعب دورا كبيرا في تحفيز هذا التحول.
وفي إطار متتابع مؤخرا، أثار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان احتمالا أن تنظم بلاده استفتاء حول مواصلة إجراءات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي على غرار الاستفتاء الذي تم حول عضوية بريطانيا في الاتحاد، مقدما تساؤلا للاتحاد مفاده:” لماذا تماطلون إلى هذا الحد؟” في وقت تنفي فيه أوروبا أي احتمالية لتوسيع الاتحاد قبل عام 2020 .
وتنص معاهدة دول الاتحاد الأوروبي على أنه لا يمكن لأي دولة أوروبية أن تنضم للاتحاد إلا إذا التزمت ضمن أطر سياسية واقتصادية وتشريعية محددة.. ففي الشق السياسي أن تكون لها مؤسسات مستقرة تكفل الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، وفي الجانب الاقتصادي أن يكون لديها اقتصاد سوق فاعل ومعايير السوق داخل الاتحاد الأوروبي.. وفي الإطار القانوني أن تقبل قوانين وممارسات الاتحاد الأوروبي خصوصا الأهداف الرئيسية للوحدة السياسية والاقتصادية والنقدية، فيما يعتقد البعض أنه ما زال أمام تركيا الكثير لتطبيق تلك المعايير.
في سياق ذي صلة، يجد متابعون أن تركيا تستفيد من هذا الوضع بالحصول على مكاسب كبيرة في اتفاقات سياسية واقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي بين الحين والآخر كتعويض للمماطلة الأوروبية، وفي الوقت ذاته لا تريد دول الاتحاد رفض عضوية تركيا بشكل نهائي خوفا من تحولها إلى بلد خارج مصالح السرب الأوروبي، ولعل في قضية اللاجئين السوريين خير مثال عندما فتحت تركيا أبوابها لهجرة اللاجئين.
ويضم الاتحاد الأوروبي 28 دولة، وتأسس بناء على اتفاقية معروفة باسم “معاهدة ماسترخت” الموقعة عام 1992، ولكن العديد من أفكاره موجودة منذ خمسينيات القرن الماضي، ومن أهم مبادئ الاتحاد نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، وللاتحاد الأوروبي نشاطات عديدة أهمها أنه يتمتع بسوق موحدة وعملة واحدة هي اليورو، كما أن له سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحدة، وخلال العام الحالي قررت المملكة المتحدة عبر استفتاء الخروج من الاتحاد لتصبح أول دولة فيه تقوم بذلك.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!