المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية | هل تتدهور الأوضاع في ليبيا؟


في اجتماع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس, وقعت 22 دولة و4 منظمات (من بينها الاتحاد الأوروبي) على بيان مشترك حول ليبيا دعماً لوقف التصعيد وللمجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة في طرابلس.

يرسم البيان خارطة طريق لتطبيق الاتفاق السياسي الليبي الموقع في ديسمبر 2015 بالمغرب، لكن الواقع ربما يتجه لاتجاه مختلف, حيث تنهار الخطط الحالية. سوف يعمل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء جاهدين للتفكير في سيناريوهات بديلة لكي يتمكنوا من تكييف سياساتهم مع الوضع.

يؤكد البيان مجدداً على دعم المجلس الرئاسي بصفته السلطة الوحيدة المعنية بالشؤون العسكرية وإدارة عائدات النفط، أنه يحث البرلمان في طبرق على منح تصويت حر ومنصف لحكومة الوفاق الوطني وتعديل الإعلان الدستوري ليشمل أحكام الاتفاق السياسي الليبي. وأخيراً, يحث ليبيا على إقرار دستور والمضي نحو الانتخابات لإنهاء المرحلة الانتقالية. هذا يبدو كخارطة طريق معقولة. مع هذا, ينبغي على السياسة الفعلية أن تضع في الاعتبار الهشاشة المتزايدة للترتيبات الحالية.

لقد غيّرت أحداث الشهر الماضي في ليبيا بعض الافتراضات الأساسية التي بُنيت عليها السياسة الغربية. أولاً, مجلس النواب (البرلمان المعترف به دولياً في طبرق) رفض قائمة وزراء حكومة الوفاق الوطني. كان الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأعضاء يتعاملون مع الوزراء المرشحين كما لو أنهم مُكلفون بالفعل. من الصعب التنبؤ ما إذا كان سيتم تقديم قائمة جديدة في الوقت القريب, وإلى أي مدى ستكون مختلفة عن القائمة الحالية وهل سيكون لديها فرصة لتحصل على موافقة البرلمان. في الوقت الراهن, تطبيق الاتفاق السياسي الليبي متوقف بينما تبدو الحكومة في طرابلس وإنها تعاني من غياب الدعم السياسي المحلي وعجز عن التعامل مع التحديات الاقتصادية الكثيرة التي تواجهها.

التطور الثاني هو أن القوة الرئيسية التي ظلت خارج الاتفاق السياسي الليبي – وهي الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر ومؤيديه السياسيين في مجلس النواب – حققت تقدماً ملحوظاً سياسياً وعلى الأرض. في 11 سبتمبر, استولى الجيش الوطني الليبي على الموانئ النفطية الرئيسية فيما يُسمى بالهلال النفطي من حرس المنشآت النفطية التابع لإبراهيم جضران, وهو مؤيد للحكومة في طرابلس والذي طلب أموال مقابل الإفراج عن الصادرات. قام حفتر بعدها بتسليم الموانئ إلى الشركة الوطنية للنفط في طرابلس, وهي المؤسسة الوحيدة المُرخص لها بيع النفط الليبي بموجب قرارات الأمم المتحدة. تعمل الشركة الوطنية للنفط اسمياً لدى الحكومة في طرابلس وتتدفق عائدات النفط إلى البنك المركزي في العاصمة والذي يستخدمه لدفع رواتب جميع الموظفين الحكوميين (ويشملون الكثير من الجماعات المسلحة والجيش الوطني الليبي).

هذه الخطوات زادات من شعبية حفتر بصورة كبيرة, وللمرة الأولى منذ أن بدأ عملية الكرامة منذ عامين ماضيين لديه فرصة في الفوز بالحرب.

استمرت قواته في التقدم غرباً وهي الآن على بُعد 50 كم من سرت, حيث تقاتل الميليشيات الموالية للمجلس الرئاسي من مدينة مصراتة تنظيم داعش. لكي يتقدم أكثر في الغرب نحو العاصمة قد يكرر الإستراتيجية التي اعتمدها في عملية الهلال النفطي: بناء تحالفات بهدوء مع القبائل والجماعات المسلحة ثم التحرك عسكرياً فقط عندما يتضح أن قواته لن تواجه مقاومة كبرى. يمكن أن يعتمد طريقه نحو الغرب على عدد من الأمور: لأسباب مختلفة, القوات في بني وليد, وترهونة وبعض المدن شرق وجنوب وغرب طرابلس قد ينحازوا له. داخل العاصمة, قد تكون الإستراتيجية هي إبرام إتفاق سري بعدم الإعتداء مع الجماعات المسلحة التي تمثل الأحياء السكنية, وليس الأيدولوجية الإسلامية التي يبغضها حفتر. إن بعض الجماعات التي تقع في الفئة الأولى تُعد عنصراً أساسياً في الترتيبات الأمنية التي تسمح لرئيس الوزراء فايز السراج بالعمل من طرابلس. لهذه الغاية, فرّق حفتر بين فئتي الميليشيات في حوار هام مع صحيفة الأهرام المصرية.

وحتى إذا لم يدخل طرابلس, يمكن أن يستفيد حفتر من زخمه العسكري لكي يعقد إتفاقاً سياسياً. لقد نوقشت الخطوط العريضة بين القادة الليبيين وفي إجتماعات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا والإمارات ومصر. في النهاية, لقبول إتفاق سياسي, سوف يحتاج حفتر لوجود ضمانات على دوره كقائد لجيش ليبيا وحول إستقلال القيادة العسكرية عن المؤسسات المدنية. سوف يشمل هذا الإتفاق على الأرجح تهميش القوات الإسلامية والمناوئة لحفتر التي تدعم حالياً المجلس الرئاسي. مع هذا من غير المرجح أن تقبل أية جماعة كبرى بالتهميش دون قتال. لهذا السبب, مع الأخذ في الإعتبار نفوذ حفتر الجديد, لا ينبغي أن يثق الشخص تماماً في إستراتيجيته.

في نهاية الأمر تعني هذه التطورات مجتمعة أن, على الرغم من أن التصريحات الرسمية لا تستطيع الإعتراف بهذا حتى الآن, الإتفاق السياسي الليبي إنهار: سيكون هناك على الأرجح إعادة تفاوض حول بنوده, بصورة رسمية أو غير رسمية, وربما يكون هناك قتال. ينبغي أن تكون سياسة الفاعلين الخارجيين, ومن ضمنهم أوروبا, هي لعب دوراً من أجل السماح للأمر الأول بالحدوث دون الثاني.

لا يمكن أن تعكس إعادة المفاوضات أهداف حفتر فقط. إنه لم يوضح إلى أي مدى يختلف نموذجه عن نموذج السيسي في مصر حيث لا تخضع القوات المسلحة للمسائلة بالتالي هي أعلى من السلطات المدنية. من المنصف أن نتسائل ما إذا كان تطبيق هذا النموذج, حتى مع بعض التعديلات, سوف يحقق الإستقرار في ليبيا بالنظر إلى إنه لم يحقق الإستقرار في مصر. ينبغي أن يفكر الأوروبيون والليبيون ما إذا كانوا مستعدين لوجود “قاهرة” أخرى, بعدما تجنبوا وجود “رقة” جديدة على البحر المتوسط.  

لهذه الغاية, يتعين على الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء المهتمة بليبيا, بداية من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا, إتباع ثلاثة مسارات متوازية. أولاً, إستغلال الفرصة المُقدمة من تسليم موانئ النفط وإستئناف صادرات النفط لبناء إدارة إقتصادية ليبية مشتركة, ومساعدة الفصائل للإتفاق على ميزانية (لم يكن لدى ليبيا ميزانية لمدة عامين) وضمان الشفافية فيما يتعلق بكيفية إنفاق عائدات النفط. هذا من شأنه أن يعزز الشعور بين الليبيين بأن, بجميع إنقساماتهم, الطريقة الوحيدة لمعالجة مشاكلهم الإقتصادية والإنسانية هي من خلال تشارك الأموال. إن القتال كثيراً ما دار حول منشآت النفط: كلما أصبحت أصول مشتركة, قل إهتمام الجماعات المختلفة بتدميرها. يمتلك الإتحاد الأوروبي الخبرة لفعل هذا لكن ملكية هذه العملية يجب أن تكون ليبية.

ثانياً, تشجيع إعادة صياغة توافقية للقواعد الأساسية للفترة الإنتقالية. يضغط البيان المشترك من أجل الموافقة السريعة على الدستور الجديد. إن المسودة الحالية لديها قيودها وليس واضحاً كيف يستطيع الليبيون في البيئة الحالية الموافقة على دستور نهائي. يدعو البيان المشترك أيضاً أن يعدّل مجلس النواب الأحكام الدستورية الحالية وفقاً للإتفاق السياسي الليبي. ينبغي أن يكون هذا هو الطريق لإقرار قواعد أساسية مؤقتة مشتركة بينما يُصاغ الدستور الجديد. سوف يحتاج التعديل لنسبة توافق مرتفعة لكي يُمرر وهذا ينبغي أن يدفع جميع الأطراف للتعاون. بينما يتم فعل هذا, ينبغي أن يستمر المجلس الرئاسي في كونه السلطة المؤقتة.

أخيراً, يتعين على الإتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء توفير كل الدعم اللوجيستي والتقني الممكن للمحاولات التي تهدف للتوافق الوطني لكي يخلق حواراً حول القضايا التي قد تشعل مزيد من التصعيد. هذا يشمل مصير السجناء, وأوضاع مراكز الإحتجاز, والإشراف على إتفاقيات وقف إطلاق النار, ودمج الأقليات و, حسب الإتفاق, أعضاء النظام السابق.

في نهاية المطاف, على الرغم من إنهيار السياسات الحالية المتعلقة بليبيا, يستطيع الأوروبيون فعل الكثير لتجنب إنهيار ليبيا نفسها.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!