فورين بوليسي | كيف يمكن إصلاح الأمم المتحدة


في الذكرى السبعين لتأسيس الأمم المتحدة، ونحن نقترب من اختيار أمين عام جديد لها، علينا النظر مرة أخرى في مستقبل هذه المؤسسة الدولية، ومدى قدرتها على مواجهة التحديات العالمية في عصرنا، وما التغييرات الضرورية لضمان مستقبلها على المدى البعيد.

أولا، الأمم المتحدة مهمة، في الواقع، لأنها جزء لا يتجزأ من نظام ما بعد الحرب، بل إنها مهمة أكثر لدرجة أنها لو فشلت أو تعثرت أو تلاشت، فستؤدي إلى تقويض الاستقرار في النظام العالمي الهش بالفعل. يواجه نظامنا الحالي تحديات جديدة ومتصاعدة ومتفاقمة، ليست مثل ما شهدناه في ربع قرن. إضافة إلى تدهور سريع في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والولايات المتحدة والصين (في مقابل تقارب استراتيجي جديد بين موسكو وبكين)، ونواجه أزمة إنسانية للاجئين، جراء الحرب الدائرة في سوريا وأوكرانيا، فضلاً عن التحديات الأمنية المتزايدة المنتشرة في شرق اسيا.

كما نشهد تحولات جيواقتصادية عالمية عميقة، حيث أصبحت الصين حاليًا ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكنها سرعان ما ستصبح الأكبر عالميَّا لتحل محل الولايات المتحدة، بعد أن هيمنت على الاقتصاد العالمي لأكثر من 150 عامًا. وفي هذه الأثناء، لم يتعافى الاقتصاد الأوروبي من عقد من الركود، حيث تمثل السياسة الأوروبية، على المستويين الإقليمي والقومي، سحبًا مستمرًا لمستقبل قوي.

وتهدد خطوط التصدعات العالمية الناشئة هذه أنماط الاستقرار التقليدية، كما أننا نشهد الآن صعود جيل جديد من الجهات الفاعلة التي لا تعمل داخل حدود دولية محددة، والتي تظهر تحركاتها على شكل أنشطة متطرفة عنيفة، ويرفض هذا الجيل الجديد من المتطرفين الأنظمة القائمة على الدولة، ويسعى لتدمير تلك الأنظمة، ويعمل بشكل كامل خارج النسيج الواهي للقانون الدولي.

وإضافة إلى التعقيدات الجديدة التي تواجه النظام العالمي الحالي، فإننا نشهد أيضا موجة أخرى من التحديات الناتجة عن العولمة الديناميكية المتسارعة التي لا يمكن التنبؤ بها. فمن ناحية، تتزايد مطالب جديدة بحكم عالمي أكثر فعالية للتعامل مع “عولمة كل شيء”. وفي الوقت نفسه، تطلق العولمة العنان أيضًا لقوى سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة خطيرة من تلك القوى التي لم تستفد من مشروع العولمة في الربع الأخير من القرن العشرين، ليظهر كوكتيل قوي من نزعات القومية والحمائية وكراهية الأجانب. وبدأت هذه القوى، في المقابل، تهدد نسيج النظام الحالي بطرق جديدة، وعلى مستويات متعددة.

ويبدو أننا نقترب من نقطة لاعودة عالمية جديدة تنطلق من افتراضات مريحة بأن ديناميات التكامل العالمي المتزايد جيدة ولا يمكن وقفها. حتى عندما كنا نشهد ظهور قوى جديدة تهدد بتمزيق العالم، فإن المؤسسات التي أسسها المجتمع الدولي لجعل العالم معا من خلال أشكال التعاون ضمن الحوكمة العالمية، ينبغي أن تكون أكثر أهمية من ذي قبل. ولكن الحقيقة غير المريحة هي أن هذه المؤسسات لم تكن أبدًا ضعيفة أكثر منها في الوقت الحالي. ونرى هذا مع منظمة التجارة العالمية، التي تكافح دون جدوى لأكثر من عقد من الزمن لعقد دورة تجارية جديدة. وصندوق النقد الدولي، والذي رغم ميثاقه، لا يمكنه التعامل مع الأزمة المالية العالمية، وكان عليه الاستسلام لإنشاء مؤسسة جديدة (مجموعة الـ 20) كمنظمة لإدارة الاقتصاد المالي العالمي؛ والأمم المتحدة نفسها، حيث نادرا ما يتم تمكين مؤسساتها للتعامل بفعالية مع التحديات العالمية الرئيسية.

بعد 70 عامًا تصبح الأمم المتحدة عنصرًا مهمًا ينبغي أن نضعه “في الحسبان” لخدمة النظام الدولي، لكننا ندرك بالكاد الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة في إرساء قواعد العلاقات الدولية على نطاق واسع. وكثيرًا ما نتعامل مع الأمم المتحدة بشكل بديهي، على أنها جزء من الأثاث الدولي المريح.

ولكن كما يذكرنا التاريخ، فلا شيء يدوم للأبد، على الأقل المؤسسات العالمية، التي تاريخها حديث وسوابقها مشحونة. كما أننا غير متجهين للاستمتاع بأحد أشكال الحكم العالمي. حيث إن السقوط ممكن أيضًا. وإذا اختفت الأمم المتحدة يومًا ما – أو أهملت فقط – سندرك عندها تمامًا الفجوة التي ستتركها في ما تبقى من النظام العالمي ما بعد الحرب. فبدون الأمم المتحدة، لن يكون لدينا سوى علاقات هشة بين الدول بعضها بعضًا، مع بقاء الحد الأدنى من التوسط أو التفاوض أو حل الأزمات بين الدول عند ظهورها.

ورغم أن الأمم المتحدة لم تتفتت بعد، إلا أنها في ورطة.  ويخشى كثيرون من أنها بدأت تنجرف إلى مسار غير مسارها، وحيث أصبحت الدول تتجنب الأمم المتحدة بشكل متزايد في أهم القضايا التي تواجه المجتمع الدولي، وتبحث عن حلول جوهرية في أي مكان آخر، لكل ذلك يخشى كثيرون من أن تغييرات النظام العالمي الكبرى والتحديات بدأت تعصف بهذه المؤسسة.

ولكن هذا الانحراف لن يكون بالضرورة هو القضية. فمن تاريخها، نعلم أن الأمم المتحدة تستطيع إعادة إنتاج نفسها. وقد شهدت العقود الماضية إصلاح مجلس الأمن وإنشاء اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وكذلك هيئة الأمم المتحدة للمرأة. ولا يمكن أن نحلم بأن الأمم المتحدة يمكن بناؤها من الألف إلى الياء. ولكن يمكننا بذكاء إعادة النظر في وظائفها، وهيكلها، وتخصيص الموارد اللازمة لجعلها أفضل تجهيزا لمواجهة تحديات المستقبل.

وتحقيقًا لهذه الغاية، فإننا في حاجة إلى الأمم المتحدة ذات تأصيل شرعي  وعالمي مع تأكيد الالتزام السياسي الرسمي للمبادئ الأساسية للتعددية من قبل الدول الأعضاء.

إننا في حاجة إلى الأمم المتحدة التي تدمج هيكليا أجنداتها للسلام والأمن والتنمية المستدامة وبرامج حقوق الإنسان في سلسلة متصلة استراتيجيًّا، بدلا من تركها متباعدة كما كان يحدث في الماضي.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة تساعد على بناء جسور بين القوى العظمى، ولاسيما في وقت تتزايد فيه التوترات بين هذه القوى.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة لديها القدرة على تخطيط السياسات القوية، والنظر في المستقبل لسنوات عدة مقبلة، وليس التركيز فقط على الأزمات الحالية.

 إننا في حاجة إلى أمم متحدة تعتنق عقيدة وقائية شاملة، بدلاً من الاكتفاء فقط برد الفعل، وهذا ينسحب مباشرة على الهيكلين القيادي والثقافي وموارد المنظمة.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة تستطيع أن تحل المشكلات المستعصية داخل مؤسساتها  الجامدة من خلال مزيد من التحرك، وفرق متعددة التخصصات ومتكاملة للتعامل مع التحديات الموجودة.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة مدفوعة بقياس النتائج، وليس بأناقة عملياتها فقط.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة تكون فيها المرأة في مركز أجندتها الكلية، وليس فقط جزءًا منها، حتى تتمكن من تحقيق إمكاناتها البشرية الكاملة  في سبيل العدالة الاجتماعية، ولأن الفشل في القيام بذلك من شأنه تقويض السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان.

إننا في حاجة الى أمم متحدة يكون فيها أصوات الشباب في مركز مجالسها ، للمساعدة في تشكيل مستقبل من الأمل الحقيقي لأكثر من 3 مليار  نسمة تحت 25 سنة في الوقت الراهن.

إننا في حاجة إلى أمم متحدة تستطيع التعامل مع السياسات العالمية في المستقبل، وليس فقط في الماضي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وتعزيز الأمن السيبراني، وتقييد أنظمة الأسلحة المميتة، والتعامل مع قصور إنفاذ القانون الإنساني الدولي في حروب المستقبل، ووضع نهج شامل لقضية تغير المناخ، لا سيما بالنسبة لمحيطاتنا.

إننا في حاجة الى أمم متحدة تعمل بكفاءة وفعالية، وتتصرف بمرونة في واقع تفرضه القيود الميزانية الحالية ، بدلا من انتظار أن تفتح سماوات الدعم المالي يومًا ما بطريقة سحرية، ولن يحدث ذلك.

وهناك قائمة طويلة مليئة بالمطالبات. ولكن لن ينفذ أي منها. ولا يوجد شيء مثل الإصلاح “لمرة واحدة”. ولأجل أن يكون للأمم المتحدة مستقبل قوي في تحقيق نتائج مباشرة في مواجهة تحديات المجتمع الدولي، يجب علينا المشاركة بنشاط في عملية مستمرة لإعادة إنتاج المؤسسة.

وهناك من يقول إن مؤسسات العلاقات الدولية تميل بطبيعتها نحو الانحدار للفوضى – بمعنى أن عمليات الاضمحلال طويلة المدى تبدأ يوم التأسيس. وربما كان صحيحا أن كل شيء سينتهي إلى الفناء، ولكن يمكننا أن نتصرف بالتأكيد لإطالة عمره الافتراضي. والدواء الضروري هنا هو الوعي، واستمرار برنامج التجديد النشط – لتذكير المؤسسة بقيمها الأساسية والمستمرة، ولتحديث الثقافة المؤسسية، ولإعادة برمجة بعض وظائفها عند الضرورة.

عندما ترى شعوب العالم الخلافات المتزايدة بين القوى العظمى، وعودة ظهور التوترات والصراعات القديمة بين الدول ، ويشاهدون الإرهابيين يتقاتلون في شوارعهم، والفوضى في أسواقهم، وتتلاشى الوظائف دون إيجاد بديل لهم، ولذلك فهم يلحون في السؤال : “هل ما زال هناك مسئول؟ “وهذا سؤال معقول.

فما الذي يمكن عمله؟ كيف يمكننا بث روح جديدة في مؤسسة قديمة جدا حتى يمكن للأمم المتحدة أن تؤدي دورها المحوري في الحفاظ على نظام عالمي سلمي وعادل؟ يمكن أن نتخيل الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين التي تستجيب للمطالب المتزايدة لحكم عالمي فعال، وعندما يبدو أن “عجز” الحكم في اتساع؟ آمل أن يكون هذا التقرير، وتوصياته التي تربو على الخمسين على رأس المبادئ العامة المذكورة أعلاه، بداية متواضعة.

هناك أساس منطقي للتفاؤل بشأن مستقبل الأمم المتحدة. ولكن التغلب على الجمود يتطلب جهودًا. ولا ينبغي لنا أن نستسلم لنوع من التشاؤم الذي يرى أن التغيير الجوهري أمر صعب جدا. والحقيقة هي أنه على الرغم من التحديات التي تواجهها الامم المتحدة حقيقية، فإن سب التغلب عليها تكمن في متناول أيدينا – إذا كنا بالفعل نستطيع نشر الإرادة السياسية الجماعية لإحداث التغيير المطلوب.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!