من مصر وتونس إلى الأردن وليبيا… تجارب فاشلة للإسلام السياسي


اشار ناشر مجلة لوبسرفاتو المغربية أحمد شراعي الى إن على صناع السياسة الغربيين تشجيع المؤسسات الديموقراطية القائمة بدل إرغام ديموقراطيات جديدة على الترحيب بإسلاميين خطيرين.

لا يمكن ترويض الإسلام السياسي بالديموقراطية، فهو قادر على تدمير الديموقراطيات

ويعود الباحث إلى بداية “ما يُسمى بالربيع العربي في 2011″، عندما ناقش دبلوماسيون ورجال سياسة ومفكرون سؤالاً جديداً، وهو أي دور يمكن أن تلعبه الأحزاب السياسية الإسلامية في ديموقراطية ناشئة؟

استغلال صندوق الاقتراع
لم تكن نقطة النقاش محصورة بفئة معينة أو أكاديمية. في الإضطراب الذي أعقب إنهيار الحكومات الديكتاتورية في ليبيا ومصر وتونس، قامت مجموعات من الإسلاميين المتطرفين بتنظيم نفسها في أحزاب سياسية وحاولت استخدام صندوق الإقتراع للوصول إلى حيث لا يستطيع السلاح أن يوصلها، أي السيطرة على الحكومات الوطنية. كانت هذه إستراتيجية جديدة من جانب الإسلاميين. فمنذ نشأتهم في أربعينات القرن الماضي وظهورهم العلني في الستينيات، سخر الإسلاميون من الديموقراطية لكونها محاولة لتقديم قانون الإنسان على قانون الله. وأخذوا على الديموقراطية أيضاً أنها تثير البلبلة عن طريق تغيير قوانينها مع مرور الوقت. فكيف يمكن أن تتغير الحقيقة؟

تغيير تكتيكات
نظراً إلى عدائهم لحكم الأغلبية وفكرتهم الثابتة عن القانون، يقول شراعي إن الإسلاميين لم يحظوا بالكثير من التأييد بإستثناء عدد ضئيل من طبقة المفكرين من الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. ثم غيّروا تكتيكاتهم. لقد بدأوا في التذمر علانية من الفساد السياسي، وقدموا أنفسهم كبديل طاهر. طبعاً، كانوا طاهرين لأنهم لم يمتلكوا السلطة وبالتالي لم يحصلوا على رشاوى أو مجاملات خاصة من الشركات أو الاتحادات أو المطلعين على بواطن الأمور.

ولفت إلى أنه عندما بدأت التظاهرات في إجتياج الشوارع في 2010 و2011، لم يلعب الإسلاميون في البداية دوراً كبيراً. كانت الصدامات مع الشرطة والجنود خطيرة، وخافوا من شن حملة أمنية مشددة تصادر مقراتهم وممتلكاتهم الأخرى إلى جانب الزج بقادتهم في السجن. ولكن بمجرد أن اكتسبت التظاهرات قوة كافية وتأييد شعبي تحول سلوك ضباط الشرطة العاديين إلى التفاهم البارد، نزل الإسلاميون إلى الساحة.

إن تنظيمهم الفائق وقدرتهم على حشد أعداد ضخمة من المناصرين من خلال الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي منحهم دوراً قيادياً في نفس الإحتجاجات التي لم يباشروها أو يؤيدوها خلال الأيام الخطيرة الأولى. ومع هذا، انتهى بهم الأمر إلى الحصول على قدر كبير من المكانة الشعبية بسبب التظاهرات وإسقاط الديكتاتوريين وإصلاح الأنظمة الملكية. واللافت أن أمريكا وغيرها من الدول الغربية رحبت بالإسلاميين في السلطة السياسية آملة في أن تؤدي الانتخابات إلى تهدئتهم.

وعندها بدأ التساؤل عن إمكان توافق الإسلام السياسي والديموقراطية. ولكن للأسف، “نحن نكتشف الإجابة الآن”. ويلخص الباحث تجارب الإسلام السياسي في مصر وليبيا والأردن والمغرب.

مصر
في مصر، وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم بعد 70 عاماً من علاقة الخصومة مع الدولة المصرية. لم يتحركوا ببطء أو بحرص، وإنما دون صبر، وبتغييرات كبيرة مخيفة. اتضح سريعاً أن الإخوان أرادوا إعادة تشكيل المجتمع المصري بالقوة، لا إستئصال الفساد وتوفير فرص اقتصادية لعشرات الملايين العالقين في قاع المجتمع. وفيما لم يقوموا بأي خطوات لكسر الإحتكارات الصلبة التي أبطأت الاقتصاد المصري لعقود (في الواقع، كانوا يعتزمون التربح من تلك الإحتكارات، لا إصلاحها)، سعوا إلى منع إرتداء البيكيني على شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر في مصر، علماً أن دخل السياحة من تلك الشواطئ، المباشر وغير المباشر، يساهم بنحو 20% من الدخل القومي المصري”.

ويعتبر أنها كانت خطوة طائشة أرعبت الكثير من سائقي التاكسي والعاملين في الفنادق وغيرهم ممن رأوا أن الإخوان أرادوا القضاء على المداخيل الضئيلة التي يحصلون عليها باسم التصحيح الديني.

بإختصار، كانت تجربة مصر مع الإسلاميين قصيرة ومخيفة، وكان واضحاً أن الإخوان رأوا الانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة فقط، وليس كضابط لهم بمجرد توليهم السلطة، وربما خططوا لعدم إقامة إنتخابات أخرى أبداً.

تونس
في تونس، تولى حزب النهضة السلطة على وعد أن يلتزم بالدستور الجديد، ويلتزم سلطة القانون، ويتصرف كحزب سياسي عادي. في نهاية الأمر. كان عليه أن يفصل نفسه عن جناح. ويقول النقاد إن الحزب لم ينفصل بشكل كامل عن جناح الدعوة النشط. وعلى رغم الخطوات الإستثنائية التي تم اتخاذها بمواجهة ضغط شعبي كبير، استمر تراجع شعبية النهضة الإنحدار وعانى اقتصاد تونس ونظامها السياسي إضطراباً.

الأردن
في الأردن، لاقى الإسلاميون ترحيباً في البداية للمشاركة في العملية الديموقراطية في أعقاب تظاهرات الربيع العربي. لكن الوقت الذي أمضوه كحزب سياسي مقبول كان قصيراً. وسرعان ما بدأوا في استخدام برنامجهم السياسي بصخب لتحدي معاهدة السلام القائمة بين الأردن وإسرائيل منذ وقت طويل، وذلك التحدي للمعاهدة أثار العنف في شوارع الأردن. في عمان، طردتهم الحكومة من العملية السياسية.

ليبيا
وفي ليبيا، من الصعب تقييم دور الإسلاميين في السياسة حيث تطلق ميليشياتهم النار على رجال الشرطة أو تهدد رجال الأعمال القليلين أصلاً الذين يفكرون في الإستثمار في تلك الدولة المضطربة.

المغرب
ويقدم المغرب أفضل نموذج لمشاركة الإسلاميين في الأحزاب الديموقراطية، إذ اكتسح حزب العدالة والتنمية الإسلامي الانتخابات البرلمانية الأولى بعد أن نقلت الإصلاحات الدستورية كل السلطة السياسية (ما عدا الجيش، والسلك الدبلوماسي، والمخابرات) من الملك محمد السادس إلى حكومة منتخبة. ومع فوز حزب العدالة والتنمية بمعظم الأصوات، شكل المغرب إستثناءً. واقترح الملك دستوراً جديداً يمنح سلطات واسعة لرئيس الحكومة من الغالبية.

وهكذا قدم المغرب أفضل بيئة لإندماج الإسلام السياسي في الديموقراطية.

وسيلة لا غاية
وبناء على جميع الأدلة من الأعوام القليلة الماضية في كل دولة تمتع فيها الإسلاميون بالسلطة، يخلص الباحث إلى أنه من الواضح أنهم يرون الديموقراطية كوسيلة لا غاية. في الحقيقة، هم لا يحبون كونهم عرضة للرحيل من خلال الانتخابات. إنهم يتطلعون إلى ما اعتاد الشيوعيون الأفارقة على المطالبة به: “رجل واحد، صوت واحد، مرة واحدة”. هم يرغبون في الوصول إلى السلطة والبقاء فيها. أياً كان، فهو ليس اتجاهاً ديموقراطياً. بمجرد توليهم السلطة، تُظهر السجلات أن الإسلاميين يركزون بقلق شديد على بنود الأجندة الأيدولوجية أو ما قد ترتديه النساء في العلن، بدلاً من النمو الاقتصادي والمياه النظيفة وخلق فرص عمل والمطالب العملية الأخرى للشعب. ربما يكون الإسلاميون خطيرين على نحو خاص بالنسبة إلى الديموقراطيات الحديثة التي لا تمتلك مؤسسات مستقرة وعقوداً من التقاليد لحمايتها.

الواضح أنه لا يمكن ترويض الإسلام السياسي بالديموقراطية، فهو قادر على تدمير الديموقراطيات. سيكون من الحكمة أن يشجع صناع السياسة الأمريكيون والحكومات الغربية تعزيز المؤسسات الديموقراطية، بدلاً من إجبار الديموقراطيات الحديثة على الترحيب بالإسلاميين الخطرين.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!